top of page

تبادل المصالح وترویج الأدویة وجشع حيتان شركات صناعة الدواء- الفصل الأول

Aktualisiert: 31. Mai


 

تبادل المصالح وترویج الأدویة وجشع حيتان شركات صناعة الدواء: التوصيات والوسائل لإصلاح النظام الصحي في العراق من زاوية التسويق الدوائي - الفصل الأول

 

الطبیب الإستشاري الأستاذ عبدالأمیر عبدالله حسن

 


 

 

 

العراق – بغداد                                                    2024

 

 

 

 

 

 

 



 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الى عموم الناس سواء كانوا أصحاء أو مصابین بالأمراض غیر الإنتقالیة الصامتة وفي

مقدمتھا مرض السكري وإرتفاع ضغط الدم وإضطراب الدھون في الدم

والى كل زمیل طبیب یتعامل مع مرضى مصابین بھذه الأمراض

والى كل شخص ینتمي لمؤسسات صحیَّة تُعنى بھذه الأمراض

والى كل موظف مسؤول في المؤسسات الصحیة

والى كل موظف مسؤول في المؤسسات الأكادیمیة الطبیة

والى ممثلي الأطباء سواء نقابات الأطباء أو الجمعیات العلمیة والمھنیة التخصصیة

والى ھیئات التعلیم الطبي العالي وطلبة الدراسات العلیا من الأطباء

والى كل من یعمل في الإعلام

والى كل مؤسسات العمل المدني

والى كل ممثلي الشعب

والى كل موظفي الدولة ممن ھم في موقع یسمح لھم البتّ بالقرارات والقوانین التي تتعلق

بصحة الناس

والى الأجیال القادمة

 

الطبیب الإستشاري الأستاذ عبدالأمیر عبدلله الأشبال

دكتوراه بالطب الباطني طبيب استشاري وأستاذ وباحث وخبیر بمرض السكري والأمراض المرتبطة به

 

العنوان: العراق – بغداد – الكرخ - العامرية

موبایل المؤلف: 07901846747 واتساب: 009647722221334


 

مقدمة

الطب هو بيئة تهيمن عليه الصناعة فالأطباء والمرضى يعتمدون على الشركات المصنعة للأدوية لتوفير اللازم منها للتعامل بشكل مناسب مع ضروريات المريض الصحية. وقد استفحل الفساد في صناعة الأدوية . فكثير ما تطرح أدوية لإستعمال المرضى ولكن سرعان ما تنكشف أعراضها الجانبية الخطرة أو يثبت فشلها أو كليهما معا بالرغم من أدعاء الشركة المصنعة بسلامتها وفعاليتها. من جهة اخرى فإنَّ وباء مرض السكري (Diabetes epidemic) له تأثیرات إنسانیة وإجتماعیة وإقتصادیة مُدمرة ومُخربة. ویُقدَّر عدد النساء والرجال الذین تُوفوا بسبب مرض السكري بحوالي 3.8 ملیون في عام 2007 أي أكثر من 6% من عدد الوفیات الكلي عالمیاً. ومن الجدیر ذكره أنَّ ثمة تفاوت أو تبایُّن بین العالم المتطور والعالم النامي فأكثر من 80 % من المصاریف للعنایة الطبیَّة بمرض السكري تُصرف في البلدان الأكثر غناً إقتصادیا. في عام 1990 كان لدینا ثلاثة أصناف من الأدویة لمعالجة مرضى السكري. الإنسولین (الحیواني والبشري) وحبوب السلفونیل یوریا وحبوب المتفورمین. أما الآن فلدینا ما یزید على تسعة أصناف من الأدویة الحدیثة. وهكذا فقد توسَّعت مساحة الخیارات السریریة مع فوائد موعودة سواء على مستوى الفرد أو مستوى عموم مرضى السكري. ولكنها في ذات الوقت زادت بشكل كبیر من كلفة المعالجة وخلقت أدوية تفتقر الى الكثير من الشفافية والمصداقية من ناحية كفائتها ومن ناحية أعراضها الجانبية البسيطة منها والخطرة مقارنة بالأدوية السابقة. وبالنظر لكون شركات الأدوية ستستفيد من الأدوية التي تبيعها فإنَّ لديها حافزا للتأثير على المستهلكين لشراء الأدوية التي تُصنِّعها. تؤدي هذه الجهود إلى تضارب في المصالح بين هدف شركات الأدوية لزيادة الأرباح وحاجة المرضى إلى تلقي الأدوية الأكثر أماناً وفعالية وتميُّزاً في أي وقت. يُحدد الخبراء تضارب المصالح على النحو التالي: مجموعة من الشروط التي يميل فيها القرار المهني المتعلق بالمصلحة الأساسية (مثل صحة المريض أو صحة البحث) إلى التأثُّر بلا داعٍ بفائدة ثانوية. وعليه یحدث تبادل المصالح عندما یتمتع شخص أو مؤسسة بمصالح متعددة أحدها یُحتمل أنْ یُفسد الدافع لفعل ما من قبل الآخر. إنَّ تبادل المصالح المادیة بإعتبارها شأن أخلاقي لاتنطبق فقط على مدیري الأعمال أو موظفي الدولة أو الباحثین ولكن أیضاً على الأطباء والأكادیمیین.

لقد تقدّمت الخدمات الطبیة لمرضى السكري في عصرنا الحاضر كماً ونوعاً في العالم. فالأطباء في العالم یكتبون أكثر من 2.2 مليار من الوصفات كل سنة وهذا یقتضي بالضرورة أنْ یتحصنوا بالمعرفة وأنْ یحصلوا على المعلومة الحدیثة التي تلبي إحتیاجات المریض الصحیَّة. إنَّ العدید من الآثار الجانبیة وتفاعلات العقاقیر وفعَّالیتها لا یمكن كشفها عندما تتم الموافقة من الجهات العلمیة المختصة على صرف الأدویة للإستعمال. ولكن یمكن العثور علیها فقط بعد أن تُستخدم هذه الأدویة من قبل الملایین من الناس ولفترة طویلة. إنَّ المراقبة بعد التسویق هي أمرٌ أساسيّ لتطویر فهم كامل للتوازن بین المنافع والآثار السلبیة. یقع على الأطباء واجب أخلاقي یدعوهم الى المحافظة على أحدث المستجدات العلمیة في حقول إختصاصاتهم والتقيُّد بهذا التوازن. يجرى اكتشاف الأدوية من قبل الشركات التي تصنعها وقد تكون التجارب التي تجريها سيئة التصميم أو على عينات غير كافية أو غير ممثلة للمرضى الذين صمم لهم هذا العلاج ولفترات تكون في الغالب قصيرة وفي الأخير يتم تحليل نتائج التجارب بشكل يخدم المصالح المادية للشركة وقد يبالغ بمنافعها وفي ذات الوقت يصار الى اخفاء أية أعراض جانبية حتى وإن كانت خطرة. أضافة الى ذلك, لا يزال الأمر غامض بشأن مجابهة هذه المشاكل المزمنة وما هي أفضل الحلول لها. في الغالب ليس من مصلحة أي باحث أو مجموعة باحثين محاولة اجراء تجارب بدون دعم مالي كافي لها. وبالرغم من أنَّ هذه المحاولات موجودة ولكنها قد فشلت في الغالب وبقي الأمر مرهون بالدرجة الرئيسية على شركات صناعة الدواء. ومما يزيد الطين بلة فإنَّ الشركات تسعى جاهدة لإخفاء نتائج التجارب المحايدة والنزيهة عن الأطباء والمرضى.

الكتاب الذي بین یدیكم یسلط الضوء على شروط ومواصفات العمل الطبي في مجال مرض السكري وعلاقة أطباء المؤسسات الأكادیمیة والصحیة بشركات صناعة الدواء.

 

الطبيب الإستشاري الأستاذ عبدالأمير عبدالله

 

      I.            تبادل المصالح (Conflict of interests) وازدواجية المصالح  (Duality of interests) وترویج الأدویة (Drug Promotion)

المصلحة هي التزام أو هدف أو قيمة تنشأ عن علاقة أو ممارسة اجتماعية. تنشأ ازدواجية المصالح عندما يكون هناك تضارب محتمل بين مصلحتين أو أكثر اعتمادا على الظروف المحددة للحالة الفردية. يُعرّف تضارب المصالح على أنَّه مجموعة من الحالات التي يميل فيها الحُكم المهني المتعلق بمصلحة أولية (مثل رفاهية المريض أو صحة البحث العلمي) إلى التأثُّر بشكل غير ضروري بمصلحة ثانوية (مثل المكاسب المالية) (1,2). أما تعريف (3) منظمة الصحة العالمية لتضارب المصالح فهو كما يلي: "جميع الأنشطة الإعلامية ووسائل الإقناع من قبل الشركات المصنعة للأدوية، وأثرها في تحفيز وصفة طبية وتوريد و/ أو شراء و/ أو استخدام الأدوية الطبية ". ویحدث تبادل المصالح عندما یتمتع شخص أو مؤسسة بمصالح متعددة أحدها یُحتمل أنْ یُفسد الدافع لفعل ما من قبل الآخر. وتبادل المصالح هو مسألة أخلاقیة لیس فقط لقائدي الأعمال وموظفي الحكومة والباحثین ولكن للأكادیمیین أیضا (4). وهو یشمل مصالح متنافسة ویؤدي الى طرح أسئلة تتعلق بإستقامة ونزاهة الشخص. إنَّ المبدأ الطبي التقلیدي والمثبت في إعلان جنیفیا الصادر عن الجمعیة الطبیة العالمیة ینصُّ على ما یلي: ” صحة مریضي یجب أنْ تكون أول إعتباراتي“ (5). وهذا يعني أنَّ واجبات الطبيب بشكل عام هي المحافظة دائما على أعلى معايير المهنية ويجب عليه ممارسة مهنته غير متأثر بدوافع الربح. إنَّ الأدویة هي أحد أهم المنتجات الطبیة للاستخدام البشري. وتُعرِّف وكالة الأدویة وتنظیم منتجات الرعایة الصحیة في المملكة المتحدة بأنَّ الأدویة هي " أي مادة أو مزیج من المواد تُعرض بإعتبارها ذات خصائص لمعالجة مرض أو للوقایة منه عند البشر وأیة مادة أو مزیج من المواد التي یمكن استخدامها للبشر أو تُعطى لهم إما بهدف استعادة وتصحیح الوظائف الفسیولوجیة من خلال ممارستها الدوائیة والمناعیة والأیضیة أو لتحقیق تشخیص طبي" (6).

إنَّ الترویج للدواء وحسب تعریف منظمة الصحة العالمیة یعني: "كل الأنشطة المعلوماتیة والإقناعیة التي تمارسها الشركات المُصنِّعة والتي تهدف من تأثیراتها الحثّ على وصف الدواء وتجهیزه ودفع تكالیف و\أو إستعمال الأدویة الطبیة" (7)

وفیما یلي أهم أشكال التعرُّض للمعلومات (الترویجیة أو غیر ذلك) من شركات الأدویة:

1.      زیارات ممثلي مبیعات الأدویة

2.      الإعلانات في المجلات الطبیة

3.      حضور الاجتماعات الترويجیة التي ترعاها الشركات المصنعة للأدویة

4.      المعلومات عن طریق البرید الإلكتروني

5.      برامج عن وصف الأدویة

6.      المشاركة في التجارب السریریة المدعومة من قبل شركات صناعة الأدویة.

 

ما هي طبيعة وشكل النشاطات المالية لشركات صناعة الدواء المتعلقة بالأطباء

على الرغم من استحالة وضع قائمة شاملة للعلاقات المالية فإن أياً من العلاقات المالية التالية مع شركات الأدوية ومعظمها يتعلق بالأطباء في المقام الأول قد يؤدي إلى تضارب في المصالح (8):

أ‌.  تلقي الهدايا التي تمولها شركات الأدوية أو الوجبات والولائم أو المكافآت المادية أو العقود أو عينات الأدوية أو المواد الترويجية أو السفر أو الإقامة أو تمويل الأبحاث أو التمويل من أجل التعليم الطبي المستمر.

ب‌.  كونه مديراً رئيسياً في شركة ناشئة أو عضوا في مجلس استشاري علمي أو مكتب متحدثين في شركة أدوية أو شاهد خبير لشركة في الدعاوي القضائية أو صاحب براءة اختراع أو حقوق نشر للشركة أو مشتركاً في دراسة ممولة من الصناعة أو مستشار.

ت‌.  أو كونه ممثل أو متحدث نيابة عن شركة أدوية في مؤتمر.

ث‌.  مهمة الاجتماع المباشر مع ممثلي أو مندوبي الأدوية.

ج‌.  حيازة أسهم في شركة أدوية.

 

تحاول شركات الأدویة وممثلیها التأثیر على الممارسة الطبیة عن طریق إعطاء الهدایا بمختلف أشكالها المذكورة آنفاً. فحتى الهدایا ذات القیمة النقدیة التافهة تضفي شعورا بالإلتزام على متلقیها الأمر الذي یخلق حالة من التعارض مع المسؤولیة الرئیسة للطبیب تجاه مرضاه. فالأطباء هم أقل إحتمالاً من مرضاهم للإعتقاد بأنَّ الهدایا تُغیِّر طبیعة وصفاتهم للأدویة بالإتجاه الذي یجعلهم عرضة للتلاعب من قبل شركات صناعة الدواء. وعلیه فالطبیب الذي یتعامل مع ممثلي شركات صناعة الدواء یجب أنْ یتوخى الحذر لمنع الإخلال بالعلاقة بین المریض والطبیب وأنْ یُحافظ على سلامة ضمیره وإنسانیته. تشیر الدارسات الى أنَّ ستراتیجیات التسویق التي یستخدمها ممثلي شركات صناعة الدواء كالتثقیف وعینات الأدویة ودعم مكاتب الأطباء ونشرات للمرضى یمكن أنْ تُزید من التعرُّف بالعلامة التجاریة وتؤثر على وصف الدواء واستعماله (19-9). على الرغم من الأدلة على أنَّ لقاء ممثلي شركات الأدوية مع مقدمي الخدمات من مختلف المهن الصحية له تأثيرات على الوصفات الطبية لا يزال الكثير من ذوي المهن الصحية يعتقدون أن التفاعل مع ممثلي شركات الأدوية يعمل على تحسين رعاية المرضى وأنه يمكنهم بشكل كافٍ تقييم وغربلة المعلومات المقدمة لهم من قبل ممثلي شركات الأدوية (20).

لقد بيَّنت الدراسات أنَّ توزيع عينات الأدوية في العيادة الطبية يؤثر على قرارات وصف الأدوية للمقيمين في المستشفى أو العيادة. وهذا يمكن أن يؤثر سلبا على تعليم المقيمين ويزيد من تكاليف الأدوية على المرضى (18). وعلیه یوجد حالیاً قلق وإهتمام واسعان على مستوى العالم حول العلاقات المادیة بین مقدمي الخدمة الطبیة وصناعة الدواء لاسیَّما المدفوعات المرتبطة بترویج المنتجات ومنها الدواء الأمر الذي یؤثر على نحو غیر مقبول وبدرجة بالغة على العنایة الطبیة التي یتلقاها المریض. إنَّ مثل هذا التبادل في المصالح یُهدد سلامة ونوعیة العنایة الطبیة بالمریض وثقة المجتمع بالطب. وقد بیَّن مسحٌ شامل في أحد الدول الصناعیة أنَّ 84 % من الأطباء لدیهم نوع ما من العلاقة المادیة مع شركات صناعة الدواء وعلیه یجب أنْ نهدف الى ضمان الشفافیة في العلاقات بین الأطباء وصناعة الدواء وتشجیع السیاسات التي تخفِّض من تبادل المصالح التي یمكن أن تؤثر على العنایة بالمریض. إن الروابط المشكوك فیها بین الأطباء ووممثلي شركات الأدوية  وصلت إلى ذروتها في العراق. فالشركات العملاقة راحت تجنِّد الأعداد الكبیرة من ''ممثلي'' المبیعات الذین تم تعیینهم في الغالب بسبب جاذبیتهم الشخصیة، ولیس خبرتهم الطبیة، المكلفین بزیارة الأطباء لإقناعهم بوصف أدویتها. وولَّد ذلك ''سباق تسلُّح'' بین الشركات البارزة وفي الغالب بمنتجات بالكاد تكون متمیزة إذا لم يكن مشكوك في دقة تصنيعها. ومن جملة الأدوات المستخدمة ''العینات''، حیث یترك الممثلون أدویة مجانیة من الأدویة المكلفة في الغالب لدى الأطباء لقاء المكافئات المادیة التي تمَّ ذكرها آنفاً وأبسطها الهدایا الصغیرة مثل الأقلام وأوراق الملاحظات والحقائب وغیرها. من جانب آخر استوفت غالبية النشرات الترويجية للدواء نصف معايير منظمة الصحة العالمية الخاصة بالترويج العقلاني للأدوية ولم يستوف أي منها جميع المعايير المحددة وقد تكون المعلومات غير المكتملة أو المبالغ فيها في النشرات الترويجية للدواء مضللة وتؤدي إلى وصفة غير منطقية وغير علمية وقد تكون مضرة بالمريض وبنفس الوقت مكلفة. لذلك يجب على الأطباء اجراء تقييم نقدي للنشرات الترويجية للدواء فيما يتعلق بالأدلة العلمية المحدَّثة المطلوبة لجودة رعاية المرضى (22,21). وهذا يقتضي بالضرورة أن يكون الطبيب متخصص وله خبرة ومُحصَّن علميا وأخلاقيا.

 

    II.            الخطوط الإرشادية لضبط علاقة الطبیب في المؤسسات الصحية والأكاديمية مع الصناعة الدوائیة 

Guidelines for Physician–Pharmaceutical Industry Relations

تشير الدراسات إلى أن صناعة الأدوية كانت ولا تزال واحدة من الصناعات الأكثر ربحاً في عموم العالم مع وارداتها الضخمة التي تُمكنها حتى من تمويل الحملات الإنتخابية والتأثير فيها في الدول الصناعية الكبرى. ينفق مصنعو الأدوية مبالغ ضخمة على الترويج ، بما في ذلك مندوبي المبيعات والعينات والإعلانات في وسائل الإعلام المطبوعة ورعاية الندوات والمؤتمرات التعليمية والسفرات الترفيهية المجانية للأطباء وتقديم مختلف أنواع الهدايا العينية. في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها، تم إنفاق ما يقرب من 21 مليار دولار أمريكي على الترويج في عام 2002. وفي عام 2001 أعطت شركات الأدوية للأطباء في الولايات المتحدة الأمريكية "عينات مجانية" بقيمة 11 مليار دولار تقريبا. وكان هذا بالإضافة إلى الولائم والمداهنة والصداقة التي قدمها ممثلو شركات الأدوية للأطباء (23). وفي هذا الصدد یُقدَّر ما يتمَّ تسویقه من قبل شركات صناعة الأدویة للأطباء حوالي 20 الى 57 بلیون دولار أمریكي في كل سنة. وفي البلدان النامية غالباً ما يكون مندوبو المبيعات هم المصدر الرئيسي لمعلومات الأدوية. هناك مجموعة واسعة من الأدلة حول مواضيع مختلفة باستخدام مجموعة من التصاميم المختلفة توحي بأن الترويج يؤثر على المواقف والسلوك. ومع ذلك هناك ثغرات في الأدلة تقتضي مزيد من الدراسات عالية الجودة للتأكد من العلاقة السببية بين الترويج ومواقف وسلوك الأطباء وغيرهم لغرض توفير معلومات أكثر دقة حول مواقف الأطباء تجاه الترويج وللتحقُّق من تأثير التدخلات لغرض تنظيم أو مقاومة تأثير الترويج (7). لقد بدأت الشركات الإبلاغ عن مدفوعاتها للأطباء علناً تحت ضغط من المشرعین أو كشرط لتسویة دعاوي تبلیغات للسلطات القضائیة الإتحادیة في الولایات الأمریكیة(24) (الجدول رقم 1).

 

جدول رقم 1: خرقاً للحجاب يتصاعد عدد شركات الأدویة التي تُعلن عن مدفوعاتها للأطباء.


في عام 2013 أصبح على كل شركة دواء أو أجهزة طبية في الولايات المتحدة الأمريكية أنْ تُعلن عن أسماء الأطباء ممن تدفع لهم أموال وتحت مضلة قانون إصلاح العناية الصحية الذي صودق عليه من قبل الكونكرس الأمريكي (24).

إنَّ الأطباء وهم مسلحون بالقوة اللازمة لوصف الدواء في وضع يسمح لهم بإغراق أبدان مرضاهم بالأدوية القوية في ضربة قلم واحدة وقد دأبت صناعة الأدوية على التودُّد لهم وجذبهم وتشجيعهم(25). إنَّ الصناعات الدوائية واتباعها للسلوك الاحتيالي سواء في مجال البحث أو التسويق وتجاهلها الأخلاقي البغيض لحياة الإنسان هو القاعدة (26). وفي هذا الصدد كتب الطبيب الأكاديمي الإستاذ غوتشي كتابه الرائد (27) "الأدوية المميتة والجريمة المنظمة: كيف أفسدت شركات الأدوية الكبرى الرعاية الصحية" لتنبيه الناس إلى أربع حقائق رهيبة:

1. العقاقير الطبية هي السبب الرئيسي الثالث للوفاة بعد أمراض القلب والسرطان.

2. يستوفي سلوك الشركات الكبيرة لصناعة الدواء معايير الجريمة المنظمة في القانون الأمريكي.

3. السبب الرئيسي وراء تناولنا للعديد من الأدوية هو أن شركات الأدوية لا تبيع الأدوية بل تبيع الأكاذيب حول الأدوية.

4. وهذا هو ما يجعل الأدوية مختلفة جدا عن أي شيء آخر في الحياة.

 

إنَّ الرعایة الصحیة المبنیة على المریض كمستهلك والإعلانات الموجَّهة مباشرة للمستهلك وزیادة فرص الحصول على المعلومات الصحیة عن طریق الإنترنت كلها قد تغیِّر الطریقة التي توصف وتصرف بها الأدویة. فالأطباء یكتبون أكثر من 2.2 بلیون من الوصفات كل سنة وهذا یقتضي بالضرورة أنْ یتحصنوا بالمعرفة وأنْ یحصلوا على المعلومة الحدیثة التي تلبي إحتیاجات المریض الصحیَّة وبالتالي فإنَّ حمایة فرص إبلاغ الأطباء عن المنتجات الدوائیة هو هدف مشروع وجاد للجمعیات الطبیة والشركات المصنعة للأدویة. ولكن كیف یمكن تطمین المرضى بأنَّ مصنعي الأدویة والذین هدفهم الأخیر وقبل كل شئ هو زیادة مبیعات منتجاتها لا یؤثرون بدرجة غیر ملائمة على أطبائهم. ومن الذي یُقرر طبیعة الحمایة اللازمة ومن یحكم بأنَّ درجة التاثیر هي أكثر من اللازم أو ضمن حدود المعقول. لقد واجه التفاعل بین الأطباء وصناعة الأدویة قدر متزايد من الاهتمام على مدى السنوات العدیدة الماضیة. ووصفت العدید من المقالات الطبیة المتعلقة بهذا الأمر وجود إتصال ذو دلالة مهمة بین صناعة الأدویة والباحثین الأكادیمیین (28)  والأطباء التدریسین (29) وطلبة كلیات الطب (32-30)   وعموم أطباء المجتمع (11,29, 33)  والأطباء المقیمین (22) . وعلى هذا الأساس فإنَّ ردّ فعل المنظمات الوطنیة والجمعیات الطبیة والسیاسیین والمراكز الطبیة الأكادیمیة جاء من خلال إعدادها لتوصیات صارمة على نحو متزايد لكي تحكم التفاعل بین المتدربین من الكوادر الطبیة والأطباء مع المستفیدین الرئیسیین أي الشركات المصنعة للأدویة (33,27-41).

تحتفظ شركات صناعة الأدویة بسیطرتها المحكمة على محاضرات الأطباء في الندوات أو المؤتمرات الطبیة فلقاء مدفوعاتها للأطباء فهي تشترط على الطبیب المكلف بإلقاء المحاضرة أن یتقید بشرائح المحاضرة التي أعدتها له الشركة مسبقاً. وهكذا فإنَّ تقیُّد المحاضر من الكوادر الطبیة بقواعد وشروط الشركة قد یجعل المحاضر ینتهك السیاسات العلمیة للمؤسسة الأكادیمیة الطبیة التي ينتمي لها(42). وفي هذا الصدد أخذت السلطات الأمریكیة الریادة في هذا المجال، وقامت بالتحقیق في ممارسات استخدمت في بلدان أخرى، فضلا عن الصعید المحلي. وأما السلطات في أماكن أخرى، بما فیها في المملكة المتحدة، وفرنسا، وإیطالیا، فإنها كانت تدقق في تلك الاتفاقات كذلك. 

إنَّ احتفاظ شركات صناعة الدواء بسیطرتها المشددة على محاضرات الأطباء یُشابه حالة المراكز الأكادیمیة الطبیة الخاصة التي تضغط على منتسبیها من المحاضرین بهدف السیطرة على ما یطرحونه (43). وعلیه فالشركات لا تترك إلا القلیل للمحاضر وكلها قد أدرجت المدفوعات التي قدَّمتها للمحاضرین في بیانات صفحة الإنترنت المعروفة بالبروببلكا (ProPublica) من الدولارات للأطباء (24) والتي صرحت فیها بفرض إستعمال الشرائح التي تعدُّها للمحاضر. إنَّ إلتزام المحاضرین بقواعد وشروط الشركات قد وضع المحاضرین في حالة خرق لسیاسات المؤسسات الصحیة أو الأكادیمیة التي ینتمون لها. ولغرض معرفة التفاصیل عن كیفیة ردود كل شركة حول الأسئلة عن الشروط التي تطلبها من المحاضرین یمكن مراجعة صفحة الإنترنت المعروفة بالبروببلكا للدولارات للأطباء (44,43-49)

وفیما یلي كیفیة إجابة كل من الشركات التي دونَّت بیاناتها في موقع بروببلكا على الأسئلة حول متطلبات المحاضر الذي تكلفه بإلقاء المحاضرات التي أعدتها له الشركات (42):

·     لا تترك الشركات إلا الشئ القلیل لحریة المحاضر.

·     إعترفت بأنَّها تشترط على المحاضر الذي تختاره بإستخدام الشرائح التي یقدمونها له.

·     وجمیع الشركات تدعي بأنَّ تكون مادة محتویاتها ملتزمة بلوائح ادارة الاغذیة والعقاقیر الأمریكیة وبمنتجات مصادق علیها.

 

وقد أُستُحدث في عام 2002 موقع في الشبكة العنكبوتیة "الإنترنت" من قبل منظمة الصحة العالمیة لغرض جمع بیانات تتعلق بترویج الأدویة الطبیة (50). في منتصف عام 2003 تمَّت المباشرة بنشر ملاحظات وتعلیقات على نفس موقع منظمة الصحة الدولیة لغرض توفیر الفرصة لمستعملي قاعدة البیانات لفهم البحوث التي إُجریت على الترویج ونقاط القوة أو نقاط الضعف فیها ولغرض إقتراح إتجاهات البحوث المستقبلیة. ویتمَّ البحث عن المادة التي تمدُّ البیانات من كتب ومقالات منشورة ومجلات وصحف ونصوص من نشرات أو صحف عن أدویة ومن أشرطة فیدیو ونصوص إذاعیة وتلفزیونیة ومن صفحات الإنترنت ومواقع طبیة متخصصة بنشر ملخصات البحوث الطبیة وخطوط توجیهیة تصدر عن منظمات وهیئات مهنیة. ویهدف المسؤولون عن هذا المشروع الى توسیع نطاق المشاركة وعلى سبیل المثال حث شركات صناعة الدواء على توفیر نتائج بحوثها حول ترویج الأدویة ( والتي حالیاً لا یمكن الحصول علیها من خارج الشركة) بهدف جعل قاعدة البیانات تعطي صورة أكثر إكتمالاً لما هو معروف وغیر معروف عن ترویج الدواء. وفیما یلي الأفراد أو الجماعات الذین یستفیدون من بیانات منظمة الصحة الدولیة عن ترویج الأدویة:

  1. المهنیین الصحیین كالأطباء والصیادلة وغیرهم من العاملین في الرعایة الصحیة ,

  2. الجمعیات المهنیة الصحیة, 

  3. الباحثون الأكادیمیون ,

  4. المُثقِفون,

  5. جمعیات المستهلكین,

  6. شركات صناعة الدواء,

  7. الممولون في القطاعین العام والخاص ومقدمي مساعدات التنمیة.

 

 III.            التسویات القضائیة لقضایا إحتیال في مجال الصحة كمثال للسلوك التجاري الجشع لشركات صناعة الدواء

إن دافع الصناعات الدوائية لتحقيق الأرباح يمكن أن يشوِّه المعلومات المقدمة للأطباء فيما يتعلق بالأدوية. إنَّ المحاسبة القانونية والغرامات المالية ستساعد الأطباء لأتخاذ قرارات وصف الدواء بناءً على شواهد علمية جيدة وليس على المعلومات الخاطئة أو الأموال أو الخدمات التي تقدمها صناعة الأدوية لهم. وفي الولايات المتحدة الأمريكية وبموجب أحكام قانون الغذاء والدواء ومستحضرات التجميل يجب على الشركة المصنعة في تطبيقها المقدم إلى إدارة الغذاء والدواء أن تحدد كل استخدام مقصود للدواء. بعد موافقة إدارة الغذاء والدواء على المنتج باعتباره آمنا وفعالا لاستخدام محدد يجب أن تقتصر الأنشطة الترويجية للشركة على الاستخدامات المقصودة التي وافقت عليها إدارة الغذاء والدواء. ولكن في الواقع الذي يحدث أنَّ الشركة المصنّعة تروج لاستخدامات أخرى وهي ما يطلق عليها اصطلاح "الاستخدامات خارج التسمية" (Off-label use) حيث يصبح بيع الدواء بعلامة تجارية خاطئة. يحدث الترويج للأدوية خارج التسمية عندما تنخرط الشركات المصنّعة للأدوية في الترويج لاستخدام عقاقيرها غير المصرَّح بها أو "خارج التسمية". وقد تفتقر هذه الاستخدامات خارج التسمية الى البيانات السريرية الكافية لإثبات ادعاءات التسويق ويمكن أن تعرِّض الصحة العامة للخطر الأمر الذي أدى إلى تعريض الشركات للتحقيقات والعقوبات والغرامات. تاريخياً تحظر قوانين الكثير من البلدان المتطورة الترويج المباشر للأطباء والمرضى خارج التسمية. ولكن فشل طاقة الحكومات للسيطرة وكذلك ندرة الدعاوي القضائية بحق الشركات وتضاؤل ​​قدرة المسؤولين على مراقبة الممارسات غير القانونية هي وراء حدوث عواقب وخيمة على سلامة المرضى ومنع الاحتيال في مجال الرعاية الصحية وسوء استغلالهم. والأسوأ من ذلك وبسبب هذه السياسات فإنَّ المرضى المعرضين للأمراض وأطبائهم غالبا ما يكونون غير مدركين للعلاجات المناسبة للإستعمال خارج التسمية يضاف اليه نقص المعلومات الأمر الذي يعرض هؤلاء المرضى للخطر.

لقد إتهمت دعاوى المبلغین (Whistleblower lawsuits) الشركات المصنعة للأدویة في الولایات المتحدة الأمریكیة بإستغلالهم للأطباء وذلك بدفعهم الى إستعمالات غیر مصادق علیها وخلال محاضرات مدعومة بولائم (51). وعلى الأقل 10 شركات تمَّ الحاق الغرامات بها والتي قاربت 7 بلایین دولار أمریكي خلال ثلاث سنوات (2010-2008) ووعدت هذه الشركات بإجراء إصلاحات تحت ضغط التنبیه بعقوبات أخرى. وفي مثال آخر وفي الفترة من يناير 1999 إلى ديسمبر 2003 قامت شركة كلاسو سمث كلاین (GlaxoSmithKline [GSK]) بالترويج لدواء ولْبوترين (Wellbutrin) , الذي تمت الموافقة عليه في ذلك الوقت فقط للاضطراب الاكتئابي الكبير، لأستعمالات اخرى ومنها فقدان الوزن وعلاج الخلل الوظيفي الجنسي والإدمان على بعض المواد واضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه وغيرها من الإستعمالات خارج التسمية. وقد اتهمت حكومة الولايات المتحدة شركة كلاسو سمث كلاین بدفع ملايين الدولارات للأطباء للتحدث في الاجتماعات وحضورها وأحيانا في المنتجعات الفخمة حيث تم الترويج بشكل روتيني لاستخدامات دواء ولْبوترين خارج نطاق التسمية واستخدمت أيضا مندوبي المبيعات والمجالس الاستشارية الوهمية وبرامج التعليم الطبي المستمر(Continuing Medical Education[CME]) ، والتي من المفترض أن تكون مستقلة, للترويج لإستخدامات غير معتمدة لدواء ولْبوترين. وافقت شركة كلاسو سمث كلاین على الاعتراف بالذنب في إساءة استخدام العلامة التجارية لدواء ولْبوترين من حيث أن وضع العلامات عليها لا يحمل توجيهات كافية لهذه الاستخدامات خارج التسمية. وبالنسبة لجرائم إساءة استخدام العلامة التجارية لدواء ولْبوترين مع دواء آخر اسمه براكسيل (Paxil) وافقت شركة كلاسو سمث كلاین على دفع غرامة جنائية مقدارها 757,387,200 دولار. وفي هذا الصدد نذكر على سبیل المثال أيضا أكبر تسویة قضائیة لقضیة إحتیال في مجال الصحة في تاریخ الولایات المتحدة الأمریكیة. ففي 2 من شهر آب لعام 2012 رضخت شركة كلاسو سمث كلاین كبرى صناعة الدواء في العالم للإعتراف بالذنب ودفع 3 بلیون دولار أمریكي كعقوبات مدنیة وجنائیة في صفقة مع النیابة العامة الاتحادیة في وزارة العدل الأمریكیة (46). وقد وُصفت هذه الجرائم المدنیة والجنائیة من قبل النیابة العامة بالنعوت التالية:

  1. الغش.

  2. الاحتیال في الرعایة الصحیة.

  3. وضع علامات كاذبة ومضللة على علب الأدویة.

  4. تمویل ورعایة برامج عشاء، برامج غداء، برامج التدلیك وأنشطة مماثلة لتشجیع استخدام أدویة خارج التسمیة خلال إجتماعات تعقد أحیاناً في منتجعات فاخرة.

  5. تدفع الملایین للأطباء لتعزیز الأدوية خارج التسمیة خلال اجتماعات عقدت في بعض الأحیان في المنتجعات الراقیة.

  6. تعتمد على ممثلین مبیعات الأدویة ومجالس إستشاریة وهمیة وبرامج تعلیم طبي مستمر التي یظهر كأنَّها مستقلة وفي الواقع هو لیس كذلك.

  7. تقدم تقاریر كاذبة عن أسعار الأدویة تحت مضلة نظام المعونة الطبیة الأمریكیة (Medicaid) المُعتمد في الولایات المتحدة، مما یجعل الأدوية تظهر بسعر أرخص من ما هي علیه في الواقع. وعلى أثر ذلك وصف الرئیس التنفیذي لشركة كلاسو سمث كلاین هذه الجرائم على أنَّها أخطاء وعلى وجه الدقة بالعبارة التالیة "بالنیابة عن شركة كلاسو سمث كلاین أود أن أعرب عن أسفنا وقد تعلَّمنا من الأخطاء التي ارتكبت".

 

إضافة الى ذلك وعلى سبیل المثال فإنَّ مجموع الغرامات القانونیة التي تكبدتها الشركة ذاتها لعام 2010 كانت تساوي تقریباً 6.5 بلیون (52). وفي تسوية مدنية بشأن ترويج شركة كلاسو سمث كلاین لدواء روزيجليتازون “أفانديا” (Roseglitazone; Avandia) للأطباء ومقدمي الرعاية الصحية الآخرين من خلال معلومات كاذبة ومضللة حول أمان استعمال هذا الدواء لمرضى السكري النمط 2 مما تسبب في تقديم ادعاءات كاذبة إلى برامج الرعاية الصحية الفيدرالية. وعلى وجه التحديد ، ادعاء الشركة أنَّ له مفعول إيجابي على الكوليسترول على الرغم من عدم وجود دراسات مضبوطة جيدا لدعم هذا الإدعاء. كما روَّجت شركة كلاسو سمث كلاین أيضا من خلال برامج تشير إلى فوائده للقلب والأوعية الدموية على الرغم من التحذيرات على الملصق المعتمد من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية بشأن مخاطر استعماله على القلب والأوعية الدموية. وافقت شركة كلاسو سمث كلاین على دفع غرامة مقدارها 657 مليون دولار فيما يتعلق بادعاءات كاذبة ناشئة عن تحريفات حول دواء أفانديا.

في عام 1993 وافقت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية على عقار كابابنتين (Gabapentin)، الذي تسوقه شركة فايزر (Pfizer) تحت اسم "نيورونتين" ، لعلاج نوبات الصرع فقط. استخدمت شركة وارنر لامبرت التابعة لشركة فايزر الأنشطة العلمية بشكل غير قانوني بما في ذلك التعليم والبحث الطبي المستمر للترويج التجاري للكابابنتين بحيث يتم استخدام الدواء على نطاق واسع في غضون خمس سنوات لعلاج الألم والحالات النفسية وهي حالات لم يصادق عليها من قبل ادارة الاغذية والعقاقير. في عام 2004 اعترفت وارنر لامبرت بتهمة انتهاك لوائح إدارة الغذاء والدواء من خلال الترويج للدواء لهذه الاستخدامات خارج التسمية وهي الألم والحالات النفسية والصداع النصفي ومرضى السكري واستخدامات أخرى غير مصرح بها (53). دفعت الشركة 430 مليون دولار للحكومة الفيدرالية لتسوية القضية (54). وقد كشف الوصول إلى وثائق صناعة الأدوية عن استراتيجيات التسويق المستخدمة للترويج للأدوية للاستخدام خارج التسمية (55)

تتابع الحكومة الفيدرالية الأمريكية بقوة القضايا الجنائية والمدنية ضد شركات الأدوية وموظفيها للترويج لإستخدامات الأدوية الموصوفة خارج نطاق التسمية (55). بين عامي 2003 و2008 رفع المدعون الفيدراليون الأمريكيون والمدعون العامون في الولايات المتحدة أكثر من اثنتي عشرة قضية ضد شركات تصنيع الأدوية لتسويقها خارج العلامات التجارية وغرموا الشركات أكثر من 6 مليارات دولار في التسويات الجنائية والمدنية (56). في سبتمبر 2009 دفعت شركة فايزر 1.3 مليار دولار وهي أكبر غرامة جنائية تم فرضها على الإطلاق في الولايات المتحدة ، لتسويق عقار بكسترا (Bextra) خارج العلامة التجارية وثلاثة أدوية أخرى. دفعت شركة فايزر مليار دولار إضافي كغرامات مدنية ناتجة عن نفس الأنشطة غير القانونية (57). عدد وحجم القضايا الجنائية الفيدرالية وللولايات الأمريكية ضد شركات صناعة الأدوية انخفض بشكل ملحوظ في عامي 2014 و 2015 (58). ويبقى أن نرى ما إذا كان هذا الانخفاض يمثل اتجاهاً طويل الأمد . واستمرت العقوبات المالية في التقلص مقارنةً بـأرباح الشركة ، حيث بلغت الغرامات البالغة 35.7 مليار دولار من عام 1991 حتى عام 2015 التي تشكل  5٪  فقط من صافي الأرباح البالغ 711 مليار دولار الذي حققته 11 شركة أدوية عالمية كبرى خلال 10 سنوات فقط من تلك الـ 25 سنة (2003-2012). مع العلم لم يتم استبعاد الشركة الأم مطلقا من المشاركة في برنامج العناية الطبية وبرنامج المساعدة الطبية الأمريكية ( Medicare و Medicaid ) بسبب أنشطة غير قانونية الأمر الذي يعرض الصحة العامة للخطر ويستنزف البرامج الممولة من دافعي الضرائب. كما لم يُحكم على أي مسؤول تنفيذي كبير بالسجن لتسببهه بممارسة الشركات أنشطة غير قانونية. كما أنَّ عقوبات أكبر بكثير ومحاكمات ناجحة للمديرين التنفيذيين في الشركات التي تشرف على الاحتيال المنهجي بما في ذلك أحكام السجن إذا كان ذلك مناسبا ، هي ضرورية لردعها من السلوك غير القانوني في المستقبل. وإلا فإن هذه الأنشطة غير القانونية والمربحة ستستمر كجزء من نموذج أعمال الشركات. وفي هذا الصدد نشرت مقالة إفتتاحية في المجلة الطبية البريطانية (59) وقد قالت الحق في توضيح سبب عدم توقف التسويات الجنائية ضد شركات الأدوية بسبب سلوكها الإجرامي في صناعة الأدوية. وقد اشارت التقارير الى أنَّ حوالي 20% فقط من جميع الجرائم التي ترتكبها شركات الأدوية هي من الحالات التي يتم التقاضي فيها وتسويتها. أما بالنسبة لمشكلة الفساد في الدراسات العلمية التي تُستخدم للموافقة على الأدوية فلا تظهر ولا تُمسْ حتى في الدعاوى القضائية. كما تشير هذه المقالة الى أنَّ الغرامات والعقوبات المفروضة على الشركات هي صغيرة جدا وهي تعتبر ببساطة جزءا من تكلفة ممارسة الأعمال التي تؤدي إلى ارتفاع اسعار الأدوية للمستهلكين. ومن جانب آخر هل تشكل العقوبات الجنائية والمدنية التي تصل إلى مئات الملايين من الدولارات رادعا هاما لخرق شركات الأدوية العالمية للقانون؟ وفي هذا الصدد لجأت الحكومة الأمريكية في عام 2018 لغرض المراقبة الخارجية الى عقد اتفاقيات نزاهة الشركات (60) (Corporate Integrity Agreement) التي تفرضها حكومة الولايات المتحدة لمنع تكرار الأنشطة غير القانونية والتي تستمر لمدة خمس سنوات بعد التوقيع. ولكن تعتبر هذه التسويات المدنية رادع إضافي فقط إذا كان حجم العقوبات يفوق مكاسب الشركات أثناء انتهاك القوانين وفقط إذا كان تطبيق المراقبة فعالاً. لسوء الحظ ليس هذا هو الحال. يستند هذا الرأي إلى التصعيد الحاد الأخير في التكرار الذي تنخرط به العديد من شركات الأدوية العملاقة متعددة الجنسيات مرارا وتكرارا في نشاط إجرامي ومدني غير قانوني بعد دفع غرامات هائلة في السابق وعلى الرغم من المراقبة التي تجريها وكالة المخابرات المركزية. يبدو أنه بالنسبة لبعض الشركات أصبح ارتكاب مثل هذه الانتهاكات الجنائية والمدنية جزءا من نماذج أعمالها.

ومن الجدير ذكره هو تذرع رؤساء الشركات الكبرى وكبار الشخصيات في الصناعة بالجهل لتجنب الذنب. وبهذا الصدد الجهل لا يعني غياب المعرفة فغالبا ما يُنظر إلى الجهل (Ignorance) والمعرفة (knowledge) على أنهما ظواهر معاكسة. يُنظر إلى المعرفة على أنها مصدر للقوة والجهل كعائق أمام تعضيد السلطة في المجال السياسي والمؤسسي (61). ويستخدم الجهل من خلال طرق مختلفة كمدخر إنتاجي يساعد الأفراد والمؤسسات على التحكم بالموارد وإنكار المسؤولية في أعقاب الأزمات والتأكيد على الخبرة في مواجهة النتائج غير المتوقعة. أما الجهل المتعمد (Deliberate ignorance) فيُعرف باسم "تعليمات النعامة" ‘Ostrich Instruction’  في المحاكم القانونية منذ ستينيات القرن التاسع عشر.

واستنادا الى ما تقدم ذكره قد تجد الشركات نفسها مسؤولة إذا مارست أياً من الممارسات غير القانونية التالية:

أ‌.  تصنيع دواء أو جهاز عندما تعرف الشركة عيبه: يخرق المصنّعون القانون عندما يصنعون دواءً أو جهازا به عيوب خطيرة معروفة. يعد هذا انتهاكا لقانون المطالبات الخاطئة عندما يتم تقديم هذه المنتجات أو بيعها للناس على نظام التأمين الصحي في أمريكا (مديكير ، مديكيد وتريكير) لأن هذه البرامج تمولها الحكومة الفيدرالية. يمكن أيضا تحميل شركات الأدوية المسؤولية إذا تستروا أو أخفقوا في الإبلاغ عن العيوب أو المشكلات المعروفة إلى إدارة الأغذية والعقاقير الأمريكية.

ب‌. تسويق جهاز للاستخدام غير المعتمد من قبل إدارة الأغذية والعقاقير أو الاستخدام خارج التسمية: على الرغم من أنه يمكن للأطباء وصف الأدوية والأجهزة للاستخدام خارج التسمية من قبل المرضى ، لا يمكن للمصنعين تسويقها لأي استخدام آخر غير ما تمت الموافقة عليه من قبل الإدارة الفيدرالية للأدوية. والقيام بذلك يعد انتهاكا واضحا لقانون الادعاءات الكاذبة. إنه أيضا انتهاك إذا قدمت شركة دواء أو جهاز طبي للأطباء حافزا ماليا لتشجيع استخدام منتجاتهم خارج نطاق العلامة التجارية.

ت‌.   توفير عمليات إعادة التأهيل للمهنيين الطبيين: يعد تقديم حوافز مالية للأطباء أو الممرضات أو المستشفيات أو أي شخص آخر يتخذ قرارات شراء مقابل استخدام منتجاتهم مما يخالف القانون. ينطبق هذا على المنتجات المدفوعة مقابل برامج الرعاية الصحية الممولة من الحكومة الفيدرالية. وهذا يعني أن النقد والهدايا العينية بما في ذلك المنح المفتوحة والإجازات والرحلات إلى المؤتمرات خارج بلد الطبيب ورسوم الاستشارات كلها غير قانونية.


وجرائم بيع الأدوية خارج التسمية لا تقتصر على البيع المباشر المذكور اعلاه وانما كذلك عبر الإنترنت وثمة أمثلة كثيرة جدا على ذلك ومنها على سبيل المثال التحقيقات الجنائية التابع لإدارة الغذاء والدواء الأمريكية التي اجريت في عام 2016 بشأن توزيع الأدوية غير القانوني وبدون وصفات طبية (62).

 

8 Ansichten0 Kommentare

Aktuelle Beiträge

Alle ansehen

تبادل المصالح وترویج الأدویة وجشع حيتان شركات صناعة الدواء - الفصل الرابع

تبادل المصالح وترویج الأدویة وجشع حيتان شركات صناعة الدواء: التوصيات والوسائل لإصلاح النظام الصحي في العراق من زاوية التسويق الدوائي - الفصل الرابع الطبیب الإستشاري الأستاذ عبدالأمیر عبدالله حسن العرا

تبادل المصالح وترویج الأدویة وجشع حيتان شركات صناعة الدواء: التوصيات والوسائل لإصلاح النظام الصحي في العراق من زاوية التسويق الدوائي - الفصل الثاني

كتاب: تبادل المصالح وترویج الأدویة وجشع حيتان شركات صناعة الدواء: التوصيات والوسائل لإصلاح النظام الصحي في العراق من زاوية التسويق الدوائي - الفصل الثاني الطبیب الإستشاري الأستاذ عبدالأمیر عبدالله حسن

תגובות

דירוג של 0 מתוך 5 כוכבים
אין עדיין דירוגים

הוספת דירוג
Kommentare

Share Your ThoughtsBe the first to write a comment.
bottom of page