top of page

تبادل المصالح وترویج الأدویة وجشع حيتان شركات صناعة الدواء: التوصيات والوسائل لإصلاح النظام الصحي في العراق من زاوية التسويق الدوائي - الفصل الثاني




كتاب: تبادل المصالح وترویج الأدویة وجشع حيتان شركات صناعة الدواء: التوصيات والوسائل لإصلاح النظام الصحي في العراق من زاوية التسويق الدوائي - الفصل الثاني

 

الطبیب الإستشاري الأستاذ عبدالأمیر عبدالله حسن

 


 

 

 

العراق – بغداد                                                    2024



 

 

      I.            مراقبة الأدویة والنهج الواقعي لتطبيق ذلك

Drug surveillance and a real-world approach for drugs

إنَّ العدید من الآثار الجانبیة وتفاعلات العقاقیر وفعَّالیتها لا یمكن كشفها عندما تتم الموافقة من الجهات العلمیة المختصة على صرف الأدویة للإستعمال (25). ولكن یمكن العثور علیها فقط بعد أن تُستخدم هذه الأدویة من قبل الملایین من الناس ولفترة طویلة (37, 42). وبالإضافة إلى ذلك، فإنَّ التقاریر المتوفرة حالیاً كلها مدعومة من قبل شركات صناعة الأدویة ویمكن القول بأنَّ قدرتها تكون محدودة للكشف عن النتائج السلبیة. ووكالات تنظیم الأدویة من غیر المحتمل أن تكون البیانات التي تقدم لها عن سلامة الأدویة (أي قاعدة بیانات الرعایة الصحیة) مستقلة عن الروابط مع الصناعة الدوائیة (37, 42). وعلى هذا الأساس جذبت الدراسات السريرية اهتمام الأوساط الطبية في الآونة الأخيرة. حيث ينتقد الكثير من الشرفاء النزيهين حالة التحكُّم من قبل صناعة الأدوية على تصميم واجراء وتحليل التجارب السريرية. يعتمد الأخصائيون بشكل كبير على البيانات التي يتم الحصول عليها من الدراسات السريرية ومن التحليل التلوي ومن المقالات المنهجية

(Clinical trials and meta-analysis and systematic reviews).

وينعكس هذا بشكل كبير وسلبي على عملية نشر الدراسات السريرية وكذلك تحديد الصناعة الدوائية للخطوط التوجيهية للممارسة السريرية. والأخطر من ذلك تأثيرها المتنامي على وكالات تنظيم صرف الأدوية وحتى أصحاب القرار من السياسيين. فعندما لا يمكن التحقُّق والإستجواب من قبل باحثين مستقلين عن التجارب التي ترعاها وتمولها شركات صناعة الدواء يتوقف العلم عن الوجود ويصبح مجرد تسويق تجاري. وعلاوة على ذلك فالمؤسسات القائمة على الطب الجامعي لم تنظر الى مشكلة مراقبة الأدویة كمسعى أكادیمي یستحق المتابعة. ففي عام 2009 وجدت إحدى الدراسات أن "عددا من المؤسسات الأكادیمیة" لم یكن لدیها خطوط توجیهیة واضحة للعلاقات بین مجالس المراجعة المؤسسیة والصناعة. وفي هذا الصدد أُجریت دارسة إستبیانیَّة في عام 2005 شملت الأطباء المقیمین في الطب الباطني وأطبائهم الإختصاص في مستشفى لأحد المراكز الطبیة الأكادیمیة المستقلة (50). لقد بیَّنت نتائج الإستبیان أنَّ أغلب الأطباء الباطنیین المقیمین والبالغ عددهم 81 طبیب والذین استجابوا للإستفتاء (69.2 %) ومعلمیهم من الأطباء الإختصاص البالغ عددهم 196 طبیب والذین إستجابوا للإستفتاء (75.7 %) یعتقدون أنَّ العلاقات مع شركات صناعة الدواء لها تأثیر سلبي على عملیة التعلیم وجوهر العلاقة بین المدرسین وطلبتهم في مختلف المجالات التعلیمیة ویرغبون بأنْ یُصرِّح التدریسیون عن كل علاقاتهم المادیة مع هذه الشركات. وكانت النتائج هذه بمثابة موجِّه لتطویر أكثر للسیاسات والمناهج التي تُعنى بالعلاقات مع الصناعة ضمن التعلیم الطبي الأولي (63). وعلیه یجب دعم الجهود التي تهدف الى خلق سیاسات على مستوى الكلیات والمعاهد الطبیة والجمعیات المهنیة الطبیة وإستحداث قوانین الكشف عن المصالح المتبادلة ودعمها وإعتماد سیاسات مدونة لرعایة وخلق أجواء من التثقیف الطبي المتحرر من المصالح المادیة في الكلیات والمعاهد الطبیة والمستشفیات التعلیمیة. وقد بیَّنت إحدى الدراسات أنَّ الإفراط في الإعلانات الدوائیة في المجلات الطبیة قد یخلق حالة من التحیُّز من قبل محرریها وقرائها وربما یكون مُشتِّت للأفكار ومزعج (65-72).

كما أنَّ تضارب المصالح مع المجلات الطبية التي تنشر التجارب السريرية والبحوث العلمية تم أيضا توثيقه بشكل جيد. فالإعلانات من قبل الجهات الصناعية في هذه المجلات يشكل مصدر دخل رئيسي للمجلات وهذا الاعتماد له تأثير خطير على موضوعيتها وثمة امثلة واضحة على ذلك. كما أنَّ تضارب المصالح الذي یكمن وراء الإعلانات الدوائیة في المجلات الطبیة قد یكون جسیماً وأنَّ تأثیره على الإستقلالیة المالیة للجمعیات الطبیة المهنیة وسلوكها هو الآخر كبیر ومهم (73,64).

وقد أطلقت إدارة الغذاء والدواء الأمریكیة حملة توعیة تحت عنوان برنامج الإعلان السئ والذي یهدف الى تشجیع العاملین في مجال الرعایة الصحیة الى التعرُّف على حالات الترویج للأدویة التي یُشتبه بها أنْ تكون غیر صادقة ومضللة لهم والتبلیغ عنها لكي یُصار الى التحقیق فیها والتحري عن صحتها لغرض إتخاذ الإجراآت القانونیة بحق الشركات المصنعة لهذه الأدویة. كما یمكن رفع تقاریر الى صفحة الإنترنت المعروفة بمَدْ ووْجْ (MedWatch)  والتابعة الى اللجنة المسؤولة عن “برنامج التقریر عن معلومات السلامة والأعراض الجانبیة التابعة لإدارة الغذاء والدواء الأمریكیة”(74)

(The FDA Safety Information and Adverse Event Reporting Program)

عند ملاحظة حدوث أو حتى الشك في حدوث اعراض جانبیة لمنتجات طبیة تُستعمل للبشر ویشمل ذلك تأثیرات جانبیة مهمة وأخطاء في إستعمال مُنتج ما ومشاكل في جودة المنتج وفشل أو إخفاق علاجي. وفي هذا الصدد وجد تقرير سابق ينذر بالخطر عن أحد المعاهد الطبية أنَّ الأعراض الجانبية الضارة للأدوية تصيب ما يقدر بنحو 1.5 مليون شخص سنويا وبتكلفة تقارب 3.5 مليار دولار(75) .

وفیما یلي أمثلة لأ كثر المشاكل شیوعاً والتي تصل إدارة الغذاء والدواء الأمریكیة ( 76):


  1. المبالغة في الحدیث عن فعَّالیة الدواء. وكمثال على ذلك عندما یقول مندوب المبیعات "أنَّ الدواء الفلاني هو 90% فعَّال للمرضى" وأنَّ الطبیب قد تعلَّم لاحقاً بأنَّ الدراسات قد أظهرت 50 % فعالیة عند المرضى الذین إستعملوه.

  2. إهمال أو التقلیل من مخاطر المنتج الدوائي. وكمثال شائع للإنتهاك هو عرض الدواء بطریقة تُركِّز على المنافع ولیس المخاطر. فهي تركِّز على اظهار الجانب المشرق لدواء ما في حين انَّ ما يُنفَّذ ينطوي على سوء.

  3. تشجیع إستعمال الأدویة لمجموعة أوسع من المرضى خلافاً لما جاء في لائحة المصادقة على إستعماله أو حتى إدعاء إستعمال جدید بالكامل غیر مدرج في التعلیمات المرفقة مع الدواء والمصادق علیها من قبل إدارة الغذاء والدواء الأمریكیة. إنَّ مثل هذا الإستعمال یجب أنْ یُنظر الیه بجدیة بسبب كون المصادقة على الدواء لم تذكر سلامته وفعالیته لمثل هؤلاء المرضى أو تلك الحالات.

  4. إجراء مقارنات لا أساس لها بین الأدویة. فلكي تكون المقارنة صحیحة یجب إختبار الدوائین سویة ومقابل أحدهما للآخر  (Head-to-head trials) لغرض تحدید الفوارق بینهما. والى أنْ تصبح أدوات المراقبة الخالیة من تأثیر الصناعة متكاملة لتوفیر البیانات القویة سوف تبقى معضلات الشك والریبة بشأن الآثار السلبیة دون حلول.

وبإختصار يسمح نظام الإبلاغ عن الاعراض الضارة لأي شخص بالإبلاغ عن إصابات و/ أو وفيات ناجمة عن المنتجات الطبية. ومن السهل تقديم تقرير للمستخدم العادي ولا يلزم سوى اتصال بالإنترنت. بالإضافة إلى ذلك ، توفر خدمة معلومات نظام الإبلاغ معلومات شاملة وحديثة عن تحذيرات الأدوية وعمليات الاستدعاء والتغييرات في البطاقات التعريفية كما تقدم مجموعة متنوعة من طرق التسليم بما في ذلك (RSS) "أر أس أس"  والبريد الإلكتروني وقسم الأخبار على الموقع الإلكتروني والذي يتم تحديثه بانتظام.

وفي المملكة المتحدة يجرى هذا من خلال ما يُسمى (منظومة البطاقة الصفراء) وهي بطاقات بريدية مجانية تُسلم إلى جميع الأطباء مما يُسَّهل استخدام هذه المنظومة وبإمكان المرضى أنفسهم أيضا أن يُبلِّغوا عن الآثار السلبية التي يشتبهون بها عن طريق الإنترنت على الموقع (77). وتفيد هذه المنظومة في اكتشاف الآثار الجانبية غير المعتادة. في بريطانيا يوجد هيئة الخدمات الصحية الوطنية وهي تعتمد اعداد كبيرة من السجلات الصحية التي يمكن فيها توثيق منافع الأدوية وأعراضها الجانبية. فهي تتضمن ما يُسمى قاعدة البيانات البحثية للأطباء الممارسين حيث توثق بيانات المرضى المشفرة أسمائهم بعناية لضمان عدم التصريح بأسماء المرضى. وهذه السجلات تكون محميةً ويكون باستطاعة الباحثنين في شركات الأدوية ومراقبي الأدوية والجامعات أن يُقدموا ٍ طلبات للاطلاع على أجزاءٍ معينة من البيانات الخاصة بالمرضى لمعرفة ما إذا كان ثمة أدوية معينة مرتبطة بأضرار غير مرغوب بها.

نادى الكثيرون بتأسيس وكالة لأمان العقاقري حتى تراقب المخاطر المحتملة لأي عقار بعد طرحه في السوق الدوائية وأكدوا على أن تكون هيئة مستقلة، لها سلطاتها وكادر عملها المنفصلان تماما عن الهيئات المسؤولة عن المصادقة على الأدوية قبل طرحها في السوق (78). وقد يعتقد البعض أنْ ذلك غير قابل للتطبيق ولكنه يعالج واحدةً من أكثر المشكلات إثارةً للجدل التي اكتُشفت ضمن ممارسات هيئات مراقبة الأدوية في أنحاء العالم الذين غالبا ما يمتنعون عن سحب دواء ما خوفا من أن يُعد هذا اعترافا منهم بإخفاقهم في اكتشاف المشكلات الموجودة فيه في الدرجة الأولى. ومن الجدير ذكره أنَّ الجهل يعتبر مشكلة اجتماعية خطرة ذات عواقب مميتة (79). فكيف اذا أُستهدف واصفي الأدوية الأطباء بعملية التجهيل ويضاف له استعداد الكثير الكثير من الاطباء الذين لا تهمهم المعرفة الحقيقة بالأدوية فهم ينصاعون طوعيا أو عمدا وبهدف الربح المادي الى ما تمليه عليهم شركات صناعة الأدوية فيصبح لسان حالهم كالسماسرة أو البغبغاوات. أما جهل المجتمع فله دور فعَّال في تضخيم هذه المشكلة وهكذا يساهم الفهم غير الدقيق أو غير الكافي للمشكلة بين العاملين في مجال الصحة والجمهور (80). وهنا يلعب دور مهم هو عدم رغبة الشركات في أن يعلم الأطباء ومن ثم الضحايا المرضى بأضرار أدويتها من خلال نشر الجهل بحقائق أدويتها. فهي تمارس العلم الذي يدرس بتعمد الأنشطة والأفعال المساعدة في نشر الوهم والغموض حتى يتسنى للشركات بيع منتجاتها أو تحقيق ما تريده.

بدأ علم الجهل منذ عقود عديدة  بالظهور بعدما لوحظ أن دعايات شركات الأدوية التي تهدف إلى تجهيل عموم الأطباء بشأن مخاطر أدويتها. ففي الوثائق الداخلية التي تم نشرها من أرشيف إحدى شركات الأدوية الشهيرة تبيّن أن أبرز استراتيجية لنشر الجهل كان عن طريق إثارة الشكوك في البحوث العلمية التي تربط أدويتها بالأعراض الجانبية الخطرة. ومن حينها انطلق لوبي صناعة الأدوية برعاية أبحاث علمية مزيّفة هدفها تحسين صورة الأدوية التي تصنعها ونشر الجهل حول مخاطرها. فالشركات تصرف ملايين الدولارات لباحثين أكاديميين لتنفيذ مهمة تغيير فهم المجتمع وفي مقدمتهم الأطباء حول أدويتها.

 

    II.            انتشار الأدوية المتدنية النوعية والمغشوشة وأسباب ذلك

إن العوامل التي تُشجِّع على انتشار الأدوية المتدنية النوعية والمغشوشة مختلفة ولكنها متداخلة. بشكل عام ، يؤدي إهمال طرق التصنيع الجيدة ، العرضي والمتعمد ، إلى تداول الأدوية دون المستوى المطلوب. في حين أن تزوير الأدوية له ارتباط بالجريمة والفساد. يتم تداول كلا النوعين من المنتجات بسبب عدم انتظام العرض والطلب المستمر على الأدوية ونقاط الضعف في النظام التنظيمي. يساهم الفهم غير الدقيق أو غير الكافي للمشكلة بين العاملين الصحيين والجمهور في تضخيم المشكلة.

 

أسباب الأدوية غير القياسية

إن الأدوية دون المستوى هي تلك المنتجات التي لا تفي بالمواصفات التي حددتها السلطة التنظيمية والمحددة في دستور الأدوية أو ملف الشركة المصنعة. يمكن ، على سبيل المثال ، صنع الأدوية دون المستوى بطريقة لا تذوب بشكل صحيح أو قد تكون ذات صلابة أو أسمولية غير صحيحة أو قد تحتوي على جرعات غير مناسبة من المكونات النشطة أو مصنوعة من مكونات غير نقية أو غير مستقرة. إن فشل ممارسات التصنيع الجيدة هو السبب الجذري للأدوية دون المستوى المطلوب.

 

تفاوت مستويات جودة التصنيع

يمكن أن ترتكب أي شركة أخطاء لكن الالتزام بممارسات التصنيع الجيدة يجعل الأخطاء أقل احتمالاً ويسهل تصحيحها. لا يحتاج المصنع الذي يتم تشغيله وفقا لأفضل الممارسات إلى أن يكون الأكثر تقدما من الناحية التكنولوجية أو استخدام أحدث المعدات ، ولكن هناك تكاليف لرفع مستوى المصنع إلى المستوى القياسي وتدريب الموظفين على البروتوكولات المناسبة ومراقبتها باستمرار . هناك العديد من الشركات المصنعة المثالية في البلدان النامية التي تراعي أفضل المعايير الدولية. هناك أيضا العديد ممن لا يفعلون ذلك ، لكنهم يعملون على أي حال ، إما لأن السلطة التنظيمية ليست على دراية بالمشكلة أو لأن المنظمين يتعرضون لضغوط لتجاهلها بحجة تعزيز الصناعة.

ويمكن تلخيص الأسباب التي تؤدي الى رداءة الأدوية بالنقاط التالية:

  1.   هناك تكاليف المعدات والموظفين والعملية اللازمة لتلبية طرق التصنيع الجيدة حسب المقاييس العالمية في صناعة الأدوية.

  2.   نقص رأس المال الاستثماري وضعف البنية التحتية يعيقان بعض شركات الأدوية الصغيرة والمتوسطة الحجم في البلدان النامية عن تلبية المعايير الدولية.

  3.   بسبب نقص الاستثمار في تصنيع الأدوية يدفع الفقراء المزيد مقابل الأدوية دون المستوى المطلوب.

  4. ينتج المصنعون عديمو القيم عمدا أدوية ذات جودة رديئة إذا كانت احتمالات تصريفها مواتية.

  5.   عندما تكون الفحوصات التنظيمية على الإنتاج غير رصينة يمكن أن تساعد ممارسات الشراء في ضمان حصول الشركات المصنعة النزيهة على أكبر حصة في السوق.

  6.   عدم اتباع نظام ضمان الجودة النموذجي لمنظمة الصحة العالمية للمشتريات وهو معيار مستقل مفيد لوكالات الشراء.

  7.   عدم اتباع وكالات المشتريات الوطنية والدولية إرشادات منظمة الصحة العالمية بشأن المشتريات. لا ينبغي للوكالات الصغيرة الشراء مباشرة من الشركات المصنعة.

 

وهذه كلها حتما تقتضي مراقبة الجودة كجزء أساسي من ممارسات التصنيع الجيدة التي يتم تجاهلها في البلدان النامية. توصي خلاصة منظمة الصحة العالمية حول تصنيع الأدوية أهمية وجود موظفين لمراقبة الجودة منفصلين عن موظفي الإنتاج يعملون في إدارة مستقلة (81). يجب أن يشرف مدير مدرب على مراقبة الجودة على هذا القسم ويدير مختبرا مجهزا لمراقبة الجودة (81). يجب أن يتحقق موظفو مراقبة الجودة من أن كل ما هو جزء من منتج المصنع ، بما في ذلك التعبئة والتغليف ومواد البدء والوسائط والمنتجات النهائية ، يفي بالمتطلبات. يمكنهم أيضا إجراء عمليات التفتيش الداخلية ومراجعة الجودة وتقييم ضوابط الجودة المستخدمة من قبل مورديهم (81). الصناعات الدوائية في أفقر البلدان لا تقوم إلا بصياغة وإعادة تغليف الأدوية الجاهزة والتي تسمى أيضا الإنتاج الثانوي والثالثي(81).

إن تأكيد تدابير مراقبة الجودة التي يستخدمها الموردون الذين غالبا ما يكونون في بلدان أخرى أمر صعب للغاية بالنسبة لهذه الشركات.

الجودة الجيدة لا تأتي بدون ثمن إما من تكاليف المعدات أو المكونات الأفضل أو التكلفة العالية لضمان الجودة. يشكل نظام تنقية المياه خطرا كبيرا على نمو الميكروبات في أي مصنع للأدوية ويجب مراقبته بحذر (81). التلوث الجرثومي هو أكثر تهديد في البلدان ذات نوعية المياه الرديئة كما أنَّه لا يمكن تشغيل الكثير من المعدات على مصادر طاقة غير منتظمة (82). يحتاج مصنعو الأدوية أيضا إلى نظام تنقية الهواء ومنع الغبار والبقايا من منطقة عمل واحدة من تلويث أجزاء أخرى من المصنع (81). تصبح كفاية تنقية الهواء أكثر أهمية في مناطق المصنع حيث تتم معالجة المنتجات المختلفة في نفس الوقت وتكثر فرص انتقال التلوث.

بعض شركات الأدوية صغيرة الحجم تصنع القليل من المركبات المكتملة ، لكن البعض الآخر يصنع مجموعة واسعة من المنتجات. لا تستطيع الشركات الصغيرة بشكل عام تخصيص معدات خاصة بكل منتج معين وعليه أصبح التحقُّق من صحة تنظيف المعدات وتنظيفها أمرا مهما بشكل خاص. عندما لا يتم تنظيف المعدات المستخدمة لمنتجات متعددة بشكل صحيح ، ولم يتم التحقُّق من صحة التنظيف قبل تغيير خط الإنتاج ، يمكن أن تصبح الأدوية المنتجة ملوثة. يصعب اكتشاف هذا النوع من التلوث. تختبر فحوصات مراقبة الجودة عموما وجود المكونات المعروفة وليس النطاق الواسع للملوثات غير المعروفة المحتملة. يتطلب التصنيع الدوائي الجيد من منتجي الأدوية اتباع بروتوكول التنظيف المنصوص عليه في إجراءات التشغيل القياسية الخاصة بهم واتباع التنظيف باختبار التحقُّق من نقاوتها (83,81).

هناك نفقات كبيرة ضرورية لشركات الأدوية لاتباع ممارسات التصنيع الجيدة. تعمل الشركات متعددة الجنسيات ، سواء المبتكرة أو الجنيسة ، على نطاق يسمح لها باسترداد تكاليف تشغيل مصانع عالية الجودة. هذا لا ينطبق على العديد من الشركات المصنعة الصغيرة في البلدان النامية. في الهند ، على سبيل المثال ، تزود شركات الأدوية الكبيرة الأدوية واللقاحات بأعلى جودة لكل بلد في العالم ، لكن الآلاف من صغار المصنعين يكافحون من أجل تنفيذ إجراءات ضمان الجودة ومراقبة الجودة (84). وجدت دراسة أجراها البنك الدولي أن عُشر الصيدليات الهندية المسجلة تُبلغ عن أدوية دون المستوى المطلوب يأتي معظمها من منتجين صغار ومتوسطي الحجم (84). نظرا لأن الصيدلية المسجلة هي منفذ الأدوية الأكثر تنظيما في الهند ، فمن المفترض أن تكون نسبة الأدوية دون المستوى التي تُباع في السوق غير الرسمية أعلى من ذلك بكثير. لا تقتصر المشكلة على الهند ففي دراسة استقصائية عن جودة المضادات الحيوية في إندونيسيا وجد الباحثون أن 89 بالمائة من عينات كوتريموكسازول إحدى الشركات المحلية كانت دون المستوى المطلوب (85). أشار نقاد التصنيع المحلي إلى هذه المشاكل كأسباب ضد تصنيع الأدوية في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل (86). قد تكون هذه حجة ذات نظرة قصيرة. يعد التصنيع المحلي للأدوية جزءاً مهماً من السياسة الصحية والصناعية في العديد من البلدان. من المفهوم أن الحكومات حريصة على ضمان توفير مأمون من الأدوية لسكانها. من الناحية النظرية ، يمكن أن تكون المنتجات المصنوعة محليا أرخص بسبب انخفاض تكاليف الشحن المدمجة في السعر النهائي (87). كما يوفر تصنيع الأدوية للناس وظائف ويسهل نقل التكنولوجيا (88). الشركات التي تبدأ في تغليف الأدوية الجاهزة فقط ستعمل ببطء على تطوير القوى العاملة المدربة اللازمة لتصنيع ثانوي وأولي أكثر تعقيدا.

 

الإنتاج المتدرج

من الناحية العملية من الصعب التمييز بين إخفاقات الجودة التي يتم إلقاء اللوم عليها على عدم قدرة الشركة المصنعة على تلبية أفضل المعايير الدولية من تلك التي تأتي من قرار اختصار الطريق وإنتاج منتجات رديئة للأسواق سيئة التنظيم. عندما يفشل منتج قادر على تلبية المعايير الدولية في القيام بذلك باستمرار وينتج فقط خطوط إنتاج تباع لدول تفتقد الى أنظمة يمكن للمرء أن يستنتج أن عدم الامتثال جزء من نظام أكثر مكرا.

تفرض الدول الغنية معايير عالية الجودة للأدوية ويدرك المصنعون الحاجة إلى استخدام مكونات عالية الجودة وممارسات تصنيع جيدة لبيعها في هذه الأسواق. سترفض وكالات الأمم المتحدة ومنظمات المعونة الدولية الكبرى أيضا التعامل مع الشركات التي لا تستطيع تلبية معايير الجودة الصارمة للسلطات التنظيمية. ومع ذلك يدرك المصنعون أن الدول منخفضة ومتوسطة الدخل أقل احتمالا لتطبيق هذه المعايير. تستغل بعض الشركات هذا وتنتج أدوية ذات جودة أقل للأسواق غير المنظمة (89). عندما تنتج الشركة المصنعة أدوية ذات جودة منخفضة لأسواق أقل تشددا فإنها تُعرف بالإنتاج المتدرج أو الموازي (90,89).

 

أسباب الأدوية المغشوشة

إن المنظم المسؤول عن انتقاء الأدوية ، الذي يتمتع بسلطة ترخيص الشركات المصنعة وتسجيل الأدوية ، يمكنه العمل ضد المنتجات التي تصنعها الشركات المصنعة المعروفة. عندما يتم تمثيل الشركة المصنعة بشكل خاطئ ، فهذا غير ممكن. يمكن للجهة التنظيمية فقط تأكيد أن المنتج غير معروف وتحويل القضية إلى تطبيق القانون. يواجه رجال الشرطة والمحققون الذين يرثون هذه القضايا مهمة صعبة في جمع الأدلة الكافية للمحاكمة وعادة ما يكون هناك القليل ، إن وجد ، لربط الأدوية المغشوشة في السوق بالجاني. من الصعب أيضا إقناع الوكلاء بالتحقيق في جرائم الأدوية عندما يكونون تحت ضغط فوري لمقاضاة مرتكبي جرائم القتل والجرائم العنيفة الأخرى. لكل هذه الأسباب يُطلق على تزييف الأدوية اسم الجريمة الكاملة (91-93).

يعتبر صنع الأدوية المزيفة جريمة انتهازية وهي أكثر شيوعا في الأماكن التي تكون فيها الرقابة التنظيمية ضعيفة أو معدومة حيث يسمح الفساد بتصنيع الأدوية المغشوشة والاتجار بها وتوزيعها وغالبا ما يتم رشوة المسؤولين الحكوميين المتواطئين من الإيرادات المتأتية من تجارة الأدوية غير المشروعة. وقد يقوم المجرمون عن عمد بتسعير المنتجات المغشوشة بسعر أقل قليلاً من الأدوية المشروعة من أجل ضمان حصتها في السوق مع تجنب اشتباه المستهلك. وشركات الأدوية الكبرى لديها إدارات أمنية تعمل مع المنظمين ووكالات تنفيذ القانون. ووكالات تنفيذ القانون يجب أنْ تتخذ إجراءات صارمة ضد الجرائم المتعلقة بتجارة الأدوية. وعلى سبيل المثال تضاعفت عمليات ضبط الأدوية المغشوشة ثلاث مرات في البرازيل وأدت إلى اعتقال 1900 شخص في الصين.

 

الفساد والجريمة المنظمة

إنَّ صنع دواء مزيف ليس بالأمر الصعب. تتم إدارة العمليات الأقل تعقيدا باستخدام كبسولات فارغة يتم شراؤها في السوق المفتوحة أو مكبس حبوب يدوي وأي مسحوق يتم تحميله فيه. تكاليف إنتاج الأدوية المقلدة منخفضة (95,94). ولأن سلسة التوريد المشروعة وغير المشروعة تختلط في الأسواق غير المنظمة فإن احتمالات الإفلات من الجريمة تكون واردة جدا. كما تتحمل البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل العبء العالمي للأدوية المغشوشة ودون المستوى بشكل غير متناسب. هناك أدلة كثيرة على أن المجرمين يستهدفون في كثير من الأحيان الأدوية المضادة للعدوى غير المكلفة ، ويرجع ذلك في الغالب إلى شرائها في كثير من الأحيان من قبل شريحة أكبر من السكان. ولذلك يصف مكتب الأمم المتحدة المعني بالأدوية والجريمة جعل الأدوية المغشوشة جريمة انتهازية تظهر حيث تكون القدرة التنظيمية منخفضة وحيثما تكون الأرباح أعلى (96).

وفي هذا السياق فإنَّ مروجو الطب البديل الذين يبيعون الفيتامينات وأدوية المعالجة المثلية السكرية التي لا تقدم أكثر مما تقدمه الأدوية الوهمية في الاختبارات العلمية ليس لهم دور في تجاوز هذه المشاكل. فهؤلاء التجار غالبا ما يتظاهرون بأن عملهم يستطيع أنْ يتحدى بطريقة ما تنتجه شركات صناعة الأدوية. وفي الحقيقة هم يتسببون بنفس الجرائم ويتبعون ببساطة وسائل ترويج نفسها ولكن على نحو بدائي وساذج.

 

 

 

0 Ansichten0 Kommentare

Aktuelle Beiträge

Alle ansehen

تبادل المصالح وترویج الأدویة وجشع حيتان شركات صناعة الدواء - الفصل الرابع

تبادل المصالح وترویج الأدویة وجشع حيتان شركات صناعة الدواء: التوصيات والوسائل لإصلاح النظام الصحي في العراق من زاوية التسويق الدوائي - الفصل الرابع الطبیب الإستشاري الأستاذ عبدالأمیر عبدالله حسن العرا

Comments

Rated 0 out of 5 stars.
No ratings yet

Add a rating
Kommentare

Share Your ThoughtsBe the first to write a comment.
bottom of page