top of page

تبادل المصالح وترویج الأدویة وجشع حيتان شركات صناعة الدواء - الفصل الرابع



تبادل المصالح وترویج الأدویة وجشع حيتان شركات صناعة الدواء: التوصيات والوسائل لإصلاح النظام الصحي في العراق من زاوية التسويق الدوائي - الفصل الرابع

 

الطبیب الإستشاري الأستاذ عبدالأمیر عبدالله حسن

 


 

 

 

العراق – بغداد                                                    2024

 

 

 

 

 

 

 



 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الى عموم الناس سواء كانوا أصحاء أو مصابین بالأمراض غیر الإنتقالیة الصامتة وفي

مقدمتھا مرض السكري وإرتفاع ضغط الدم وإضطراب الدھون في الدم

والى كل زمیل طبیب یتعامل مع مرضى مصابین بھذه الأمراض

والى كل شخص ینتمي لمؤسسات صحیَّة تُعنى بھذه الأمراض

والى كل موظف مسؤول في المؤسسات الصحیة

والى كل موظف مسؤول في المؤسسات الأكادیمیة الطبیة

والى ممثلي الأطباء سواء نقابات الأطباء أو الجمعیات العلمیة والمھنیة التخصصیة

والى ھیئات التعلیم الطبي العالي وطلبة الدراسات العلیا من الأطباء

والى كل من یعمل في الإعلام

والى كل مؤسسات العمل المدني

والى كل ممثلي الشعب

والى كل موظفي الدولة ممن ھم في موقع یسمح لھم البتّ بالقرارات والقوانین التي تتعلق

بصحة الناس

والى الأجیال القادمة

 

الطبیب الإستشاري الأستاذ عبدالأمیر عبدلله الأشبال

دكتوراه بالطب الباطني طبيب استشاري وأستاذ وباحث وخبیر بمرض السكري والأمراض المرتبطة به

 

العنوان: العراق – بغداد – الكرخ - العامرية

موبایل المؤلف: 07901846747 واتساب: 009647722221334

 

 

VIII.            التفاعل بين الأطباء ومندوبي الأدوية ومدى تأثيره على تبادل المصالح

 

من بين أكثر تضارب المصالح شيوعا ذلك الذي ينشأ عن تفاعلات الأطباء مع ممثلي مبيعات شركات الأدوية أو "المفوضين" أو "مندوبي الأدوية". ففي الولايات المتحدة الأمريكية توظف شركات الأدوية حوالي 90.000 مندوب وتُنفق أكثر من 7 مليارات دولار سنويا لتسويق منتجاتها للأطباء وبمتوسط 15000 دولار سنويا لكل طبيب (123).

يمكن أن تتعارض قرارات وصف الطبيب للأدوية مع الهدايا المجانية ووجبات الطعام والسفر المجاني والمزايا الأخرى. لأن التفاعلات بين الطبيب والمندوب تحيِّز اتخاذ القرار الطبي وتقوض ثقة المرضى وتزيد تكاليف الرعاية الصحية ( 11 ,124-128). وعليه فإنَّ مهنة الطب الآن أصبحت تحت ضغط لم يسبق له مثيل (129). على الرغم من أنَّ الأبحاث تظهر أنَّ الأطباء يفهمون تضارب المصالح بين تسويق الدواء ورعاية المرضى فإنَّ  التفاعل بين الأطباء وممثلي (مندوبي) شركات الأدوية أمر شائع. لا يجد الكثير من الأطباء الحل لهذا التناقض. وهذا يقتضي تحديد تقنيات يحتاجها الأطباء. فعلاقات الأطباء مع المندوبين ولَّدت ديناميات نفسية أثرت على تفكيرهم. تشير النتائج التي توصلت إليها البحوث (130)  إلى أنَّ المبادئ التوجيهية والتي هي طوعية كتلك التي تقترحها معظم الجمعيات الطبية الكبرى هي غير كافية. وقد يكون الحل الفعَّال فقط هو حظر التفاعلات بين الطبيب ومروجي الأدوية.  

تشير الاستطلاعات إلى أنَّ كثير من الأطباء يعتقدون أنَّ المعلومات التي يقدمها المندوبين  هي في الغالب متحيزة وغير موضوعية (12, 131-134). ومن جهة أخرى فإنَّ قسم من الأطباء ينظرون عموما إلى التفاعلات مع مندوبي الأدوية على أنها تعليمية ومناسبة مهنيا (136,135).

ولكن يؤكد معظم الأطباء أن زملائهم معرضون لتأثير الصناعة ولكنهم هم أنفسهم يشعرون بأنهم محصنين (13). وعلى العموم يوافق قسم كبير من الأطباء على قبول الهدايا (13) . ويعتقدون أنَّ قبولها مناسب لأنهم يتعلمون عن منتجات جديدة (133) . ومع ذلك لا يرغب الأطباء في نشر قبولهم للهدايا علنا ويقرون بأن الهدايا يمكن أن تضر بالموضوعية في صرفهم للأدوية المعنية (12). إنَّ هذه الدراسات الإستقصائية تشير الى تبايُن صارخ بين وعي الأطباء بالآثار السلبية للتعامل مع المندوبين وموافقتهم على مثل هذه العلاقات. هناك أيضا أدلة على أن دعم شركة الأدوية لنفقات السفر يغير سلوك وصف الأطباء المستهدفين

(11, 29, 137, 138)ويمكن القول أنَّه فقط حظر التفاعلات بين الأطباء والمندوبين سيكون لها تأثيراً فعالاً (14). ويكتسب هذا الموقف الآن تأييد واسع النطاق. فعدد متزايد من المراكز الطبية تقيد اتصال المندوبين مع ملاكاتها الطبية وتقوم بوضع استراتيجيات صارمة للسيطرة على تضارب المصالح (139,14)

يشكل الترويج والتسويق (بما في ذلك الإعلان وتقديم الهدايا والدعم للأنشطة ذات الصلة الطبية مثل السفر الترفيهي بحجة حضور الاجتماعات) جزءا كبيرا جدا من أنشطة شركات الأدوية (استهلاك ربع إلى ثلث ميزانياتها بالكامل وإجمالي أكثر من 11 مليار دولار كل عام في الولايات المتحدة وحدها) (140). لا توجد أرقام شاملة متاحة ولكن من المقدر أن حوالي 3 مليار دولار أمريكي يتم إنفاقها على الإعلانات و5 مليارات دولار أمريكي على مندوبي المبيعات بينما الإنفاق على كل طبيب يُعتقد أن يكون مجموعه أكثر من 8 مليار دولار أمريكي (141). على الرغم من أنه ينكر الأطباء أن الهدايا تؤثر على سلوكهم (143,142) ثمة دليل واضح على عكس ذلك (11, 143).

أظهر مسح على 120 طبيبا في مدينة كليفلاند في ولاية أوهايو الأمريكية أن أولئك الذين التقوا بمندوبي الأدوية كانوا أكثر من 13.2 مرة عرضة لطلب إدراج منتجات الشركة في قوائم الأدوية في المستشفى. وأنَّ أولئك الذين قبلوا المال للتحدث في الندوات كانوا أكثر عرضة بمقدار 21.4 مرة للقيام بذلك. وأنَّ أولئك الذين قبلوا المال لإجراء البحث كانوا أكثر عرضة للقيام بذلك 9.2 مرة. وخلص الباحثون إلى أن ثمة ارتباطا قويا ومتماسكا ومحددا بين طلبات الأطباء بإضافة دواء بعينه إلى قوائم الأدوية في المستشفى وتأثير علاقاتهم مع شركات الأدوية (29). وفي هذا الصدد قد تساعد برامج التعليم والسياسات المدروسة الأطباء المقيمين على تعلُّم كيفية تقييم هذه الهدايا بشكل حذر ونقدي (144).

 

 

IX.            المعاییر الأخلاقیة والشفافیة في العلاقات بین مهنة الطب وشركات صناعة الأدویة (حبة دواء محلاة تهز العلاقة بین الطب والصیدلة)

 

العلاقات التي يشارك فيها الأطباء وصناعة الأدوية تثير مخاوف جدية وجدلا داخل كل من مهنة الطب والمجتمع ككل (145-146). ورغم أن هذه المفاهيم أصبحت أكيدة ومرسخة في الأوساط العلمية المحترمة في المجتمعات الناضجة إلا أننا لا نزال في أول الطريق بالنسبة لإرساء هذه المبادئ في الممارسة الطبية وفي البحث العلمي.

تختلف الآراء بشكل حاد داخل المهنة نفسها من الاقتناع بأن المخاطر المرتبطة بهذه العلاقات ضئيلة إلى القلق من أن جميع الاتصالات بين الأطباء والصناعة تنطوي على تسوية وبالتالي ينبغي تجنبها قدر الإمكان(147).

تتضمن العلاقة بين صناعة الأدوية ومهنة الطب جوانب مرغوبة بوضوح (على سبيل المثال الجهود التعاونية للصناعة والحكومة وواصفي الأدوية في محاولة لتحقيق استخدام جيد للأدوية) وأخرى أقل وضوحا من الناحية الأخلاقية (على سبيل المثال ، قبول الأطباء للهدايا الفخمة والمال كنفقات ترفيه وسفر مجاني).

قبل الحديث عن المعاییر الأخلاقیة والشفافیة في العلاقات بین مهنة الطب وشركات صناعة الأدویة يجب أنْ نُذِّكر بفقرات القَسَم الذي يؤديه كل طبيب بعد نجاحه وحصوله على شهادة الطب وحسب ما جاء في تصريح جنيف لجمعية الطب العالمية (148) . فقبل قبول الطبيب كعضو بالمهنة الطبية يقسم على أنْ يلتزم بما يلي وعلى النحو التالي:

  1.     التزم رسميا بتسخير حياتي لخدمة البشرية

  2.     تقديم كل مظاهر الإحترام والإعتراف بالجميل لأساتذي وهم أهلاً لذلك

  3.     سأقوم بمهنتي بكل اخلاص وضمير

  4.      سأضع صحة مريضي فوق كل اعتبار

  5.      سأحترم الأسرار التي يتم اشعاري بها حتى بعد وفاة المريض

  6.     سأحافظ بكل ما أوتيت من جهد على شرف مهنة الطب وتقاليدها

  7.      سأعتبر زملاي أخوة وأخوات

  8.     لن أسمح أن تدخل بيني وبين واجبي نحو مريضي اعتبارات منشؤها السن أو المرض أو العجز وكذلك الدين أو الأصل العرقي أو الجنس وكذلك الجنسية والإتجاه السياسي أو الميل الجنسي والوضع الإجتماعي

  9.      سأقوم بمهنتي بكامل الإحترام للحياة البشرية

  10.     لن أستعمل معلوماتي الطبية ضد قوانين الإنسانية وإنْ كنت مهددا

  11.      وها أني التزم رسميا وبكل حرية وأقسم به على شرفي.

 

لقد لوحظ أنَّ التفاعلات بين الأطباء والصناعات الدوائية تبدأ في وقت مبكر من سني التلمذة في كلية الطب وتستمر هكذا مع الممارسة الطبية (149). هذه العلاقة تكون أقوى في البلدان النامية مثل العراق وقد تؤدي إلى نتائج سلبية خاصة بالنسبة للمريض. لقد زادت التفاعلات بين الأطباء وصناعة الأدوية زيادة كبيرة في السنوات العديدة الماضية وأصبحت مثل هذه الأنشطة شائعة بشكل ملفت للنظر. الهدف الأساسي لمهنة الطب هو تقديم خدمة للإنسانية والمكسب المالي هو هدف ثانوي. لكن الدور الأساسي لمندوب الأدوية هو إطلاع الطبيب على منتجات شركته بما في ذلك الأدوية. بعد كل شيء يُعد التطوير المهني المستمر مكونا أساسيا لنظام رعاية صحية جيد (150).

لقد أصبح في حكم المؤكد أنَّ التفاعلات بين الأطباء وشركات صناعة الأدوية تنجم عن العديد من النتائج السلبية على المصالح العليا للمريض. هذه التفاعلات التي تأخذ شكل الهدايا والعينات والوجبات المدفوعة من الشركات وتمويل السفر أو الإقامة لحضور الندوات التعليمية ورعاية التعليم الطبي المستمر ومنح مالية وتمويل الأبحاث وحتى التوظيف. تحتاج الحكومات اجراآت مشددة من أجل منع التحالف غير الأخلاقي بين الأطباء وشركات صناعة الأدوية. وهنا نحتاج إلى التعاون والتنسيق بين العديد من العناصر مثل الحكومة وشركات صناعة الأدوية والمنظمات أو الجمعيات المهنية لحل هذا التحالف غير الأخلاقي للأطباء مع صناعة الأدوية من خلال وضع مبادئ توجيهية أخلاقية شاملة. يجب أن يلتزم كل طبيب بالأخلاق وتحكيم الضمير. يحتاج المرضى أيضا إلى التثقيف حول فوائد الأدوية الجنيسة التي تكون ميسورة التكلفة وتعطي نفس نتائج الأدوية المسجلة.

  بغض النظر عن الحوافز المشبوهة لأرباح الشركات يجب أن يكون الاهتمام الأخلاقي الأساسي في الطب هو تعظيم صحة ورفاهية المرضى. وعندما يتعرض هذا الهدف للخطر فإن الأولوية الأولى لمهنة الرعاية الصحية هي التخلي عن الظروف وتضارب المصالح التي تعرِّض هذا الواجب الأخلاقي الأساسي للرعاية الصحية للخطر. إنَّ تبادل المنافع المادية بإعتبارها شأن أخلاقي لاتنطبق فقط على مديري الأعمال أو موظفي الدولة أو الباحثين ولكن أيضاً الإطباء والأكاديميين. وأية منافع مادية تربط هؤلاء بالشركات المصنعة للأدوية في مجال الصحة تثير تسائلات ترتبط بأخلاقية الفرد ونزاهته.

تسعى شركات الأدوية إلى التأثير على الأطباء والمرضى من خلال نهج "موجه الى مقدم العناية الطبية أي الأطباء" و "مباشر إلى المستهلك أي المرضى"

(“provider-directed” and “direct-to-consumer”). غالبية هذه الجهود التسويقة موجهة الى الأطباء على الرغم من أن كلا النوعين من التسويق قد ثبت أنهما فعالين في زيادة

مبيعات الأدوية (151). ولكن الإلتزام الأخلاقي من قبل الطبيب لا يمكن الركون اليه لوحده وانما نحتاج الى وسائل قانونية تحاسب وتردع وتعاقب من يستغل من الأطباء مهنته الإنسانية لأغراض مصلحته المادية على حساب صحة المريض ومصلحته العليا. وقد بدأت الدول المتقدمة بإتخاذ مختلف التدابير وسَن القوانين.

وفیما یلي ملخص من تنقیحات مختارة من قانون البحوث الدوائیة والشركات الدوائیة الأمریكیة(Pharmaceutical Research and Manufacturers of America) 

حول التفاعل مع مقدمي العنایة الطبية (152) والتي لا تسمح لشركات صناعة الدواء عمل ما یلي:

  1. تقدیم أیة مواد ترفیهیة أو تسلیة أو أیة هدایا (كمثال دفاتر الملاحظات والأكواب والأقلام) التي "لا تحسِّن من معرفة المرض أو المعالجة.

  2. خلق ترتیبات إستشاریة كحوافز أو مكافئات لوصف الأدویة أو التوصیة لوصف دواء معین أو دورة معالجة دوائیة .

  3. إنشاء تعاقدات لإلقاء محاضرات تروجیة أو دورة معالجة دوائیة أو دفع مبالغ تفوق القیمة السوقیة العادلة لألقاء محاضرة;

  4. دعم مادي لبرامج التعلیم الطبي المستمر كتحریض لوصف دواء معین أو دورة معالجة دوائیة.

  5. دعم مادي مباشر لمشاركة موظف العنایة الصحیة في برامج التعلیم الطبي المستمر أو في مؤتمرات أخرى أو إجتماعات لمقدمي العنایة الصحیة أو ترتیبات إستشاریة رمزیة لعمل مثل هذه البرامج بصورة غیر مباشرة .

  6. تقدیم مباشر لوجبات طعام في مناسبات التعلیم الطبي المستمر أي جلسات ''الغذاء والتعلم'' .

 

لقد بیَّنت الدراسات أنَّ قبول حتى هدایا صغیرة یمكن أنْ یؤثر على القرار الطبي ویؤثر على فهم أو \ وحقیقة تبادل المنافع المادیة. وعلیه على الأطباء أنْ یقیسوا بإنتظام فیما لو كان قبول أیة هدیة هي مناسبة من الناحیة الأخلاقیة وأنْ یُقیموا أیة تأثیر محتمل على القرار الطبي. وبإقامة هذه التقییمات یتطلب بأنْ یأخذ الطبیب الأسئلة التالیة بنظر الإعتبار:

1.    ماذا سوف تكون نظرة الناس أو مرضاي بهذه الروابط.

2.    ماهو الغرض من عرض الشركة المصنعة.

3.    كیف ستكون نظرة زملائي حول مثل هذه الروایط.

4.    كیف یكون موقفي في حالة قبول طبیبي الخاص بمثل هذا العرض.

في كل هذه الأمثلة تتمثل المسؤولیة الشخصیة لكل طبیب بتقییم أیة علاقة محتملة مع الجهات الصناعیة بهدف التأكُّد من كونها ترفع من مستوى العنایة بالمریض والمعرفة الطبیة ولا تؤثر سلباً على القرار الطبي (154,153). في عام 2013 أصبح على كل شركة دواء أو أجهزة طبیة في الولایات المتحدة الأمریكیة أنْ تعلن عن أسماء الأطباء ممن تدفع لهم أموال وتحت مظلة قانون إصلاح العنایة الصحیة الذي صودق علیه من قبل الكونكرس الأمریكي (24).

 

 

 

 

  X.            الوظائف الأساسیة للوكالات التنظیمیة للأدویة ومنتجات الرعایة الصحیة 

Medicines and Healthcare Products Regulatory Agency

 

الوكالات التنظیمیة للأدویة ومنتجات الرعایة الصحیة هي وكالات أُسست على أنْ تكون مستقلة مهمتها التأكُّد من أنَّ الأدویة وأجهزة العنایة الطبیة تعمل بدرجة مقبولة من الأمان والسلامة. وعلى سبیل المثال في الولایات المتحدة الأمریكیة یتم تمویل وكالة الغذاء والدواء الأمریكیة من قبل وزارة الصحة بالنسبة لتنظیم الأجهزة الطبیة في حین یتم استیفاء تكالیف تنظیم الأدویة من خلال رسوم على صناعة المستحضرات الصیدلانیة (155). وهذا یعني أنَّ الوكالة تعتمد أیضا على الصناعة وعلیه فهي تبقى غیر مستقلة تماماً (156) وقد تمیل لضمان مصالح شركات الأدویة بدلا من مصالح المجتمع (158,157).  

وثمة أمثلة لا حصر لها عن كيفية إدارة الغذاء والدواء الأمريكية

(US Food and Drug Administration “FDA”)  والوكالة الأوروبية للأدوية

(European Medicines Agency “EMA”),

وهما اثنتين من المنظمين لصرف الأدوية الأكثر فاعلية في العالم, يقعان تحت تأثير صناعة الدواء. إنَّ المقالات الكثيرة ومقاطع فيديوات والأفلام الوثائقية حول الترويج الواسع لا تشكل مفاجأة للمتتبع العلمي. الإطلاع على بيانات التجارب السريرية هي موضوع رئيسي آخر يتكرر ذكره من قبل الكثير من الخبراء المحايدين. وعليه تحولت صناعة الأدوية خلال العقود الأخيرة إلى الأسوأ. وأحد الأسباب المحتملة هي هيمنة الفئة المسوقة للأدوية والمديرين لها على ذوي المهن التخصصية في المستويات العليا للقطاع الصناعي. ومن الإنتقادات التي توجه الى هذه الوكالات هي إفتقارها للشفافیة وعدم كفایة إجراآتها في فحص بیانات الترخیص لإستعمال الأدویة. فالبیانات التي تقدم لوكالات تنظیم الأدویة عن سلامة الأدویة (أي قاعدة بیانات الرعایة الصحیة) لا یُحتمل أنْ تكون مستقلة عن الروابط مع الصناعة الدوائیة. لقد تعرضت وكالة الأدوية الأوروبية ، النظير الأوروبي لإدارة الغذاء والدواء الأمريكي,  مؤخرا لعدد من الضربات (159) التي تمس سمعتها حيث تعرضت لانتقادات بسبب السياسات المتعلقة بإمكانية الإعتماد على بيانات التجارب السريرية غير المنشورة في قاعدة بياناتها إضافة الى تضارب المصالح الذي يكتنف سيرة موظفيها. يؤكد الجدل على المخاوف طويلة الأمد من أن عدم إمكانية الوصول إلى البيانات غير المنشورة من التجارب السريرية التي ترعاها شركات الأدوية يقوض التقييم النزيه للفوائد والمخاطر النسبية للأدوية.

وبالرغم من أنَّ وكالة الأدوية الأوروبية أعربت (161,160) , مثلها مثل إدارة الغذاء والدواء, عن التزامها بشفافية البحوث ولكنها غارقة في القضايا المتعلقة بالوصول إلى الأدوية وعدم الامتثال لمتطلبات الإبلاغ عن التجارب وسيطرة الشركات الراعية لبيانات التجارب وتضارب المصالح. تواجه دول الاتحاد الأوروبي تأخيرات أطول للموافقة على الأدوية مقارنة بالولايات المتحدة بسبب الفصل بين عملية الموافقة العلمية والتي تتم معالجتها بواسطة وكالة الأدوية الأوروبية وعملية الموافقة على التسويق والتي تتم معالجتها بواسطة المفوضية الأوروبية (162).

تعطي وكالة الأدوية الأوروبية أيضاً الأولوية لإعتبارات السوق على المعايير العلمية مثل السلامة والفعالية أثناء عملية التقييم (163) نظرا لأنها تكون قابلة للمسائلة من قبل المديرية العامة للمؤسسات والصناعة في الاتحاد الأوروبي وهذا الدائرة تروج للرأي القائل بأنه ينبغي النظر إلى الأدوية على أنها سلع استهلاكية وليس أدوية لتعزيز الصحة وحمايتها (164). ساعد هذا النهج الرأسمالي التجاري شركات الأدوية على ممارسة سيطرة كبيرة  في تقييم منتجاتهم الخاصة (165). إدراكا لعيوب هذا النظام ، لجأت  وكالة الأدوية الأوروبية الى اتخاذ تدابير لزيادة الشفافية بما في ذلك جعل بيانات التجارب السريرية متاحة بسهولة أكبر في الاتحاد الأوروبي من خلال استحداث نظام "يودرا سي ت" (166) (EudraCT)، وهو مماثل لنظيره نظام التجارب السريرية (ClinicalTrials.gov) في عام 2004. في نوفمبر 2013 قامت وكالة الأدوية الأوروبية بتحديث هذا النظام مما يسمح للشركات الراعية للبحوث بنشر النتائج الموجزة لكي تكون متاحة للآخرين من خلال سجل التجارب السريرية في الاتحاد الأوروبي (167-169 ). إنَّ التغيير في نهج تقرير نتائج هذا النظام (EudraCT) يجعله يتماشى مع نظام التجارب السريرية. وهذا يعكس حقيقة أنَّ وكالة الأدوية الأوروبية والمعاهد الوطنية للصحة المسؤولة يفترض أن يكونوا شركاء عندما يتعلق الأمر بتعزيز الشفافية (170). ومن الجدير ذكره هنا أنَّ الوظائف الأساسیة لوكالات تنظیم الدواء هي كالآتي:

    1.  تعمل على المراقبة ما بعد التسويق للإبلاغ والتحقيق ورصد ردود الفعل السلبية للأدوية والحوادث مع الأجهزة الطبية. 

    2.  تقييم وترخيص المنتجات الطبية للبيع والتجهيز وكذلك إعطاء رخص للممتلكات وللأشخاص وللممارسات.

    3.  الإشراف على الهيئات التي تراقب مدى امتثال مصنعي الأجهزة الطبية للمتطلبات التنظيمية قبل طرح الأجهزة في السوق.

    4.  تشغيل نظام مراقبة الجودة لأخذ عينات واختبار الأدوية لمعالجة عيوب الجودة ومراقبة سلامة وجودة المنتجات غير المرخصة.

    5. التحقيق في مبيعات الإنترنت والتزوير المحتمل للأدوية والمسائلة القانونية عند الضرورة.

    6. تنظيم ومراقبة التجارب السريرية للأدوية والأجهزة الطبية.

    7.   رصد وضمان الامتثال للالتزامات القانونية المتعلقة بالأدوية والأجهزة الطبية.

    8.  تعزيز الاستخدام الآمن للأدوية والأجهزة.

    9.  إدارة رابط البيانات لبحوث الممارسة السريرية والسجل الشامل لقائمة الأدوية.

10.  تنظیم إستیراد الدواء وتوزیعه.

 

أصبح الإنترنت أكبر مصدر للمعلومات الصحية بالنسبة لمعظم المتابعين مما يعزز أهمية إتاحة المعلومات عبر الإنترنت حول التجارب السريرية وبشكل موثوق وغير متحيز(172,171). إنَّ عدم الإبلاغ والإبلاغ المشوه عن التجارب السريرية يعيق تحسين المعرفة العلمية والصحة العامة (173). لذلك يعد الإبلاغ الصحيح عن نتائج التجارب السريرية على الإنترنت خطوة أساسية لطمأنة المجتمع ومقدمي الخدمات وفهم كامل للفوائد وبالتالي فهم العواقب المحتملة لتناول دواء معين (174). كانت هناك مطالب متزايدة للشفافية العامة ، مثل إعلان هلسنكي ، الذي ينص على الحاجة إلى الكشف الكامل عن بيانات التجارب السريرية (175). كما أنَّ الإبلاغ عن بيانات التجارب السريرية هي خطوة اساسية من ناحية البحث العلمي وتهدف إلى المساهمة لتعميم المعرفة وعلى النحو المنصوص عليه في تقرير بلمونت في عام 1979 (The Belmont Report) (177,176). والمجتمع البحثي ملزم بمشاركة تلك البيانات مع المشاركين في بحث ما (178). إنَّ تخزين البيانات وحجرها عن الآخرين سيؤدي إلى تكرار الجهود (172).

وبالرغم من الجهود التي تبذل في سبيل ضمان مصداقية وشفافية ونزاهة وكالات تنظیم الدواء ثمة أمثلة كثيرة ومهمة على أنَّ هذه الوكالات هي ليست محصنَّة من الأخطاء التي كانت سبباً في عوق أو موت أعداد ضخمة من البشر بسبب أدوية صادقت على صرفها ثمَّ أُكتشف لاحقاً أنَّها غير أمينة وسميَّة وأحيانا مميتة للكثير من المرضى الأبرياء الذي استخدموها. عادة ما يكون هذا ناتجاً عن آثار ضارة غير متوقعة لم يتم اكتشافها خلال التجارب السريرية للمرحلة الثالثة ، أي أنها لم تظهر إلا من خلال بيانات مراقبة ما بعد التسويق التي تم جمعها من المجتمع الأوسع على مدى فترات زمنية أطول. ومع ذلك فالشركات المصنعة لهذه الأدوية تحاول تفنيد وتكذيب ما يطرح من تقارير سلبية عن أدويتها بكل ما لديها من وسائل تحايل وكذب وتزييف ومنها اجراء بحوث من قبل مرتزقة يعملون لحسابها لغرض نشر نتائج تفند هذه التقارير. وليس من المستبعد أبدا أنَّ الشركات تعرف جيدا بهذه الأعراض السميَّة أو المميتة أثناء مرحلة التجارب عليها أي قبل عرضها على وكالات تنظیم الدواء للمصادقة عليها ولكنها تخفيها بكل سرية ودهاء لأن هدفها الأساسي هو الربح بكل وسيلة. على سبيل المثال دواء روزيجليتازون (أفانديا) أوصت وكالة الأدوية الأوروبية في سبتمبر 2010 بتعليقه من سوق الاتحاد الأوروبي بسبب ارتفاع مخاطره على القلب والأوعية الدموية (179) . ودواء بيوجليتازون (أكتوس) لا يزال في السوق ولكنه يرتبط أيضا بمخاطر القلب والأوعية الدموية المتزايدة  (180) . أما دواء تروجليزون (ريزولين) فقد استخدم في التسعينيات وتم سحبه بسبب مخاطر التهاب الكبد وتلف الكبد (181).

 

0 Ansichten0 Kommentare

Aktuelle Beiträge

Alle ansehen

تبادل المصالح وترویج الأدویة وجشع حيتان شركات صناعة الدواء: التوصيات والوسائل لإصلاح النظام الصحي في العراق من زاوية التسويق الدوائي - الفصل الثاني

كتاب: تبادل المصالح وترویج الأدویة وجشع حيتان شركات صناعة الدواء: التوصيات والوسائل لإصلاح النظام الصحي في العراق من زاوية التسويق الدوائي - الفصل الثاني الطبیب الإستشاري الأستاذ عبدالأمیر عبدالله حسن

Comments

Rated 0 out of 5 stars.
No ratings yet

Add a rating
Kommentare

Comparte lo que piensasSé el primero en escribir un comentario.
bottom of page